فليلقه اليم بالساحل – 1

سلسلة مقالات تلقي الضوء على ذهانية قصة موسى

عرفت البشرية تأليف القصص منذ زمن بعيد. فالإنسان كائن قاص. وتنشأ هذه المهارة من صفة بيولوجية بشرية وهي أن الإنسان يخزن كثيرا من المعلومات على شكل قصص ويسترجعها على شكل قصص 

وتشترك القصص الشعبية البدائية وقصص المرضى الذهانيين بعدد من الصفات المشتركة 

 منها تفصيل الأحداث بشكل رغبوي وساذج يوافق هوى المؤلف في إيصال ما يريد

 عدم الالتزام بالحدود بين الواقع والخيال حيث يتم تضمين القصة أحداثا خرافية غير ممكنة في الواقع لتحقيق الغاية

 المبالغة في ترتيب الأحداث حسب مزاج المؤلف رغم أن ذلك الترتيب مستحيل عمليا

 خرافية الحبكة أحيانا وخرافية حل العقدة  أو سذاجته

وعلامة أخرى مهمة في القصص الخرافي البدائي للإنسان وهو تحتيم الاحتمال. فمن بين كل الاحتمالات الممكنة يختار احتمالا واحدا ويجعله نتيجة حتمية مما يفقد القصة واقعيتها ومنطقيتها

 تتألف أية قصة من خمسة عناصر: الشخصيات والبيئة والحبكة والعقدة وحل العقدة 

 تطورت القصة وصار تأليف القصص دراسة عميقة وفنا قائما بذاته

 وصارت قيمة القصة الآن ترتكز على واقعيتها وعدم خرافيتها 

 لكن القصص القرآني نشأ في ظل المفهوم القديم للقصة. ولذلك تميز بخرافية وسذاجة تأليف القصص البدائي من ناحية وتأثر بمرض مؤلفه الذهاني الذي منعه من إدراك أن بعض القصص مؤلفة وليست حقيقية فتبناها كقصص حقيقية ثم أعاد صياغتها بمفهومه ولغته 

 وفي قصة موسى في سورة القصص نجد عدة علامات ذهانية نستخرجها من الشذوذ اللغوي والتشويه الذهاني للقصص 

 وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) 

 استخدم كلمة أوحينا. استخدام الكلمة نبع من إيمان محمد بوجود تواصل بين البشر وبين السماء عن طريق الوحي. وهو فسر حالته ايضا بالوحي

 نلاحظ هنا التحرر من القيود المنطقية. تحرر القصص البدائي من القيود المنطقية في بعض الحالات لكن الساجع تحرر منه بشكل عام. وهذه إضافة بسبب تفكيره الذهاني

 

Advertisements

تحتيم الاحتمال علامة مهمة في القصص الخرافي والذهاني. فمن بين كل الاحتمالات الممكنة يختار الراوي احتمالا واحدا ويجعله نتيجة حتمية مما يفقد القصة واقعيتها ومنطقيتها

إسقاط الذات ذهانيا على ابطال القصة 

 المفروض أن أم موسى ليست نبية بالمصطلح الديني. وبالتالي لا تتلقى الوحي. ولا تعلم الغيب. وتخضع للقوانين العادية لبقية الناس (مستثنيين الأنبياء مجاراة للفكر الكهنوتي). لكن الساجع أعفى نفسه من هذا القيد وعاملها كنبية واستخدم كلمة أوحينا. أسقط المؤلف حالته على بطلة قصته

 اضطرت مؤسسة الكهنوت لإعطاء الوحي معاني متعددة لاستيعاب هذا الخلل. فقالت أن الوحي يمكن أن يكون رسائل تحملها الملائكة وممكن أن يكون إلهاما

 وكلا التعريفين يناسبان العلامات الذهانية

 بالنسبة للساجع الوحي لديه هو الاسم الذي يطلقه على الهلاوس السمعية غالبا. الإلهام عند الذهانيين شائع جدا ويسمى بالضلالات الأولية. فجأة يشعر المريض أنه عرف شيئا وتيقن منه أو تذكر شيئا تذكرا حقيقيا كأنه حدث

 الضلالات الأولية هي معلومات يؤمن المريض إيمانا راسخا بها ويتيقنها فجأة دون اي دليل عليها وتختلف عن الضلالات الثانوية أنها لا يشترط وجود حدث مسبب أو ظاهرة سابقة. الضلالات الثانوية قد تنشأ بسبب تفسير ضلالي لحدث سابق أو بسبب سماع اصوات الهلاوس. مثلا الإيمان أن الشهب ترجم العفاريت ضلالة ثانوية نشأت نتيجة تفسير مشهد حقيقي اثار هلاوس وظيفية وكون صورة ذهانية في دماغ الساجع  

لكن بتفحص السجعيات يتضح أن ضلالات محمد في الغالب هي ثانوية. وأنه بالوحي في أغلب السجعيات يشير للهلاوس السمعية. ومن ذلك هذه السجعية. دعونا نكملها ونرى

إعفاء الراوي نفسه من القيود المنطقية 

 أوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه: يتضح الفرق بين التفكير السليم والتفكير الذهاني من هذه الفقرة. الارضاع يتم بشكل غريزي وتقوم به كل الثدييات ولا يحتاج لوحي سماوي. الذهاني لا يمكنه إدراك البديهيات دون نسبتها لمحدث. يطغى عليه كلية منطق البعرة والبعير حتى في الامور تلقائية الحدوث. لكن المشكلة ليست هنا بل فيما بعد

 فإذا خفت عليه فألقيه في اليم- أرضعيه وإذا خفت عليه ألقيه في اليم. لم يعد الأمر مجرد إلهام بل صار تسلسلا لعدة أوامر. والساجع يعتقدها أوامر صوتية بالتأكيد كما يظهر من طريقة سرده

 إلقاء الطفل في اليم علاج لخوف الأم عليه من الهلاك؟ واضحة خرافية الفكرة. تخاف عليه من الهلاك فتهلكه بنفسها. إلقاء رضيع في اليم هو وصفة أكيدة لموت في الحياة الواقعية. هنا تجاوز للقيود المنطقية. الخوف عليه يستدعي تخبئته وحمايته وابقاؤه بالجوار وليس التخلص منه ورميه في البحر

 تتصرف أم موسى وكأنها تنفذ خطة محكمة ومهي متأكدة من نجاحها. بمعنى أن فكرة القائه في اليم لم تكن مجرد الهام. لأنها لو كانت مجرد فكرة خطرت ببالها فلن تكون متأكدة ومتيقنة بشكل قاطع أن ذلك يحميه. يتضح من تيقن أم موسى أن الساجع كان يؤمن أنها سمعت اصواتا إلهية ترشدها وتطمئنها وتجعلها على يقين من أن هذا الخطة ستتم كما هو مرسوم لها. الساجع كان يشير إلى هلاوس سمعية. الساجع كان يؤمن أن أم موسى تلقت الوحي وكأنها نبية حقيقية مثله. كسرت كل القيود المنطقية هنا وأعفى الساجع نفسه من الالتزام بالواقع لتأليف القصة وانجرف في الخرافية والتفكير السحري وصناعة حبكة الأحداث

 إلقاء الأم لطفلها في اليم سيكون سببا للخوف والحزن بشكل طبيعي لكن أم موسى طبقا للساجع تلقت نهيا سماويا عن ذلك. لا تخافي ولا تحزني. تم طمأنتها من قبل الاصوات. لم يكن القاؤه مجرد تصرف نتج عن إلهام بل خطة محكمة نتجت عن اصوات 

 لف موسى في تابوت وألقاؤه ليتم التقاطه لغز محير. اشترك ثلاثة من أنبياء الديانات الإبراهيمية في هذا الأمر. حيث لا تدري كمفكر مستقل في حقيقة تأليف القصص الديني ومن وراءه وماذا يريد. موسى يتم العثور عليه والتقاطه. ونحن نعرف ماذا يعني لقطة في ثقافات شعوب الشرق الأوسط وماذا يعني العثور على رضيع ملفوف بعناية ومرمي. ثم يكتب مؤلف ما قصة مشابهة للمسيح. فهو يولد من فتاة عذراء غير متزوجة. ومرة أخرى ولادة طفل من فتاة غير متزوجة له معنى خاص في ثقافات المنطقة. ثم يكتب مؤلف بنفس الأسلوب قصة محمد فيجعله يولد من ارملة بعد موت زوجها. ومرة أخرى ولادة طفل من أرملة بعد موت زوحها له معنى خاص في ثقافات المنطقة. شيء غريب ومحير هذا التشابه وغريب جدا هدف مؤلف قصص المؤسسين الثلاثة لأكبر الديانات السماوية

 

موسى يلف بعناية ويرمى وهو رضيع ليتم التقاطه, المسيح يولد لفتاة غير متزوجة , ومحمد يولد لارملة بعد موت زوجها. ماذا يريد مؤلف هذه الادعاءات أن يقول؟؟ وهل هذه حقائق أم فبركات؟

Advertisements
Advertisements

عقلنة الخرافة 

 وتتضح علامة عقلنة الخرافة في تسلسل الأحداث. وعقلنة الخرافة علامة ذهانية تكثر في لغة الذهانيين. فالله لا يستخدم قدراته ويجعل موسى خفيا عن الأعداء ويحميه فهذا الأمر يظهر خرافيا جدا في نظر الراوي لكن يمكن إلقاؤه في اليم وانقاذه بطريقة أخرى تتراءى للذهاني أنها منطقية وهي ايضا خرافية. تنشا هذه العلامة لدى الذهاني من الخبرة المتراكمة لديه في تبرير ضلالاته لنفسه وللآخرين

 فمثلا بسبب الاضطراب الذهاني يسمع المريض هلاوس معينة قد تكون مثلا أن الشجر والحجر يسلم عليه. عندما يتكلم بها مع الآخرين يهزأون ويستنكرون منه ذلك. هذا الشيء يشككه بما سمع. لكن الهلاوس تتكرر فيتأكد مما سمع. ويبدأ دماغه باعطائها تفسيرا. فيكون التفسير أن هناك كائنات تتكلم من داخلها. قد تكون الشياطين وقد تكون الملائكة

 أو مثلا يكابد المريض هلاوس سمعية من الشجرة التي حول بيته وكأنها تراقبه. فكرة مراقبة الشجرة أو تجسسها عليه يتم استهجانه واستنكاره. فينشئ المريض تفسيرا لعقلنتها وهو أن هناك شخص أو كائن يتسلق الشجرة ويراقبه 

تكرر هذه الأمور يجعل دماغ المريض مع الوقت يقوم بعقلنة الخرافة عن طريق صيغتها بشكل يراه هو ممكنا وواقعيا وهو في الحقيقة ليس كذلك 

ولهذا السبب الاضطرابي لم يقم الساجع بجعل الله يحمي موسى بقدرته المطلقة ويجعله مثلا خفيا عن أعين القوم لا يدركونه بابصارهم وبدلا عن ذلك جعل أمه تلقيه في اليم وقام الله بحمايته وتهيئة الظروف بشكل رغبوي لأن ذلك يبدو أكثر عقلانية وأكثر واقعية كما يتراءى له الأمر 

بينما قدرة الأم على إلقاء طفل رضيع في اليم فكرة خرافية لا تستطيع أي أم القيام بها وهي ليست حماية من الهلاك بل إهلاك متعمد

للحديث بقية في الحلقات المقبلة …انتظرونا

إحصائية اللادينيين في الموقع

تنزيل كتاب ذهان النبوة – الجزء 2 مجانا

العين الحمئة وأهل الترقيع

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: