فليلقه اليم بالساحل – 2

سلسلة مقالات تلقي الضوء على ذهانية قصة موسى 

اطلعنا في الجزء الاول من المقال على علامات الشذوذ الذهاني في لغة قصة موسى. ونتابع تحليل القصة من منظور الشذوذ اللغوي الذهاني هنا وفي أجزاء لاحقة. لمعرفة أنواع الشذوذ اللغوي في الذهان يمكنكم الاطلاع على هذه الدراسة بالنقر هنا

إعفاء الراوي نفسه من التقيد بالمنطق 

أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ 

 الصوت يطمئن أم موسى. سوف نرجعه إليك ونجعله من المرسلين. هذا يعيدنا لموضوع الوحي. لو كان الوحي المقصود إلهاما فلن يكون فيه علم الغيب وهذا الحجم من التأكد واليقين بأنه ليس فقط سيعود بل سيكون رسولا نبيا

 إذن محمد كان يعني بالوحي أنها تلقت وحيا من الملائكة بخطة محددة وخطوات معينة وعرفت الغيب عن النتيجة

 عاملها كأنها نبية مرسلة لا فرق بينها وبينه

 رغم أن الكهنوت قد ثبت منذ القدم أن الوحي يمكن أن يكون إلهاما إلا أن ذلك كان اجتهادا. كان ذلك تفسيرهم للوحي المباشر من الله. وتفسيرهم للسجعية التي تقول وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا .. الخ

 اصل الوحي في اللغة الكلام الخفي. ولذلك سميت الهلاوس وحيا لأن الكلام لا يسمعه غير المهلوس. وهو كلام خافت لأن الهلاوس تخفت مع الزمن. وقد راينا اثر ذلك على محمد في موضوع إيمانه بضلالة الهلاك سمعا 

أدخل الإلهام في معاني الوحي لتفسير بعض النصوص الدينية بسبب عدم معرفة المفسرين لمرض المؤلف ولعدم معرفة البشر قديما لحقيقة الهلاوس إذ لم تكن معروفة وكانت تسمى بعبارة هاتف من السماء وتنسب للجن أو لكائنات غيبية أخرى مثل الله والملائكة 

وهكذا أعفى الساجع نفسه من كل القيود المنطقية. فأم موسى تلقت معاملة خاصة جدا جدا وصارت نبية تتلقى الوحي وتتعرف على الغيب وتعلم نهاية الأمور بشكل أكيد ويقيني وتنفذ بثقة مطلقة الخطة المرسومة لها وظهرت علامة عقلنة الخرافة كما رأينا

إخبار الوحي لأم موسى أنه سيكون من المرسلين يظهر ايضا علامة انعدام التثبيط الأمامي. فالراوي يعرف نهاية القصة ويجعل ابطال قصته يعرفونها قبل الأوان. يشبه قول الملائكة أتجعل فيها من يسفك الدماء حيث جعلهم يعلمون التركيب البيولوجي لآدم وأنه سيكون له نسل لهم دماء تسفك حتى وآدم ما زال فكرة ولم يصل بعد لمرحلة جرة الفخار 

Advertisements

في علامة انعدام التثبيط للأمام يقوم الذهاني بجعل أبطال القصة يعرفون أحداثا متأخرة فيها يفترض أنهم لم يعرفوها بعد. وهي علامة شذوذ لغوي تصاحب الذهان

تحتيم الاحتمال 

فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)

 تبسيط الأحداث بشكل مبالغ. هذه طريقة ألف ليلة وليلة لو كنت عزيز القارئ قرأتها من قبل. من بين كل الاحتمالات الممكنة يتحقق احتمال واحد فقط وهو ما يرغب فيه المؤلف وما يلمح له منذ البداية. بمجرد معرفتك لأول مشهد في الفيلم تعرف بقية الفيلم إلى النهاية. المبالغة في التبسيط

Too good to be true 

 وهذه هي علامة تحتيم الاحتمال الذي تظهر في القصص الذهاني .إذ من بين كل النتائج المحتلمة يحدث فقط الاحتمال الذي يريده مؤلف القصة ويظهر وكأنه حدث حتمي ويمكن التنبوؤ به من قبل الوصول إليه من جانب من يستمع للقصة

 التقاط آل فرعون لموسى نتيجة حتمية لرميه في البحر. هكذا ببساطة. آلاف الاحتمالات الأخرى لا مكان لها.موته بردا. موته جوعا. التقاط شخص آخر له. التقاط حيوان له. انجرافه مع التيار. كل هذه الاحتمالات فرضت استحالتها ضمنيا وتم تحتيم احتمال واحد وهو ما يرغب فيه المؤلف 

ليكون لهم عدوا وحزنا – علم الغيب قبل الأوان. هذه تنتج عن آلية اختلاط الأزمان والاسقاط الرجعي. لكن يسهل على الكهنوت ترقيعها باعتبار أن الساجع كان يعرف ما سيحدث في نهاية القصة ولذلك نكتفي فقط بالاشارة إليها 

غياب التثبيط الأمامي

وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) 

 مرة أخرى نرى تحتيم الاحتمال. يتلقطه آل فرعون وتقول امرأة فرعون قرة عين لنا وتتم الأمور كما يريد المؤلف. لا يوجد أي تنوع. تبسيط اكثر من اللازم

 وهم لا يشعرون- لا يشعرون بماذا؟ هل كان المؤلف يريد أن يقول أن زوجة فرعون ايضا كانت تعلم بالخطة وقامت بتخدير فرعون بهذا الكلام وهو لا يشعر بالخطة الحقيقية؟

 أو وهم لا يشعرون أن موسى سيقضي عليهم لاحقا؟ وهذه علامة انعدام التثبيط. إذ لا يمكن للذهاني التوقف في الكلام عند النقطة المطلوبة وينجرف مع الصورة فيخلط أولها بآخرها بدون أن ينتبه لذلك 

غياب الثبات الداخلي 

وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) 

 بينما ظهرت أم موسى في البداية وهي واثقة وتم طمأنتها أنه سيكون من المرسلين وتم نهيها لا تخافي ولا تحزني ظهرت هنا وهي خائفة 

 لكنها ما زالت واثقة أنه التقطه آل فرعون طبقا للخطة. فهي ليست خائفة من موته بردا. أو غرقا. أو من انثقاب التابوت أو تسرب الماء إليه. أو من أخذه بعيدا من قبل شخص ما. أو من انجرافه في نهر النيل إلى البحر المتوسط. أو حتى من التقاطه من قبل يهودي آخر

 يتم تحتيم الاحتمال مرة أخرى. وبلغة الواثق أنه مع أناس محددين تقول لأخته قصيه

 وبسرعة البرق وبدون أي عناء عرفت أخته اين تبحث ورأته

 ويظهر لنا قصر فرعون وكأنه متاح للعامة ويمكن لاي شخص دخوله ورؤية غرف الأطفال

 وكأن الساجع يعامل قوم فرعون وكأن بيوتهم كبيوت أهل مكة أو خيام البدو الرحل سهل النظر إليها ورؤية من في داخلها

 هذه التفاصيل الصغيرة لا ينتبه لها الذهاني ابدا وتظهر في كل قصة يؤلفها وعليها يعتمد اختبار تات الشهير لدراسة افكار المرضى الذهانيين عن طريق تأليف قصص عن صور معينة تعرض على الذهاني فيسقط فيه تصوراته وافكاره ومشاعره وبيئته

علامة تحتيم الاحتمال هي تجاهل الراوي لحقيقة عشوائية واحتمالية الأحداث وتسييرها نحو احتمال واحد يمكن التنبؤ به من قراءة السطور الأولى للقصة

Advertisements

التطويع الرغبوي للحبكة 

 وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12)

حرم المراضع على طفل صغير عمره يومان. هناك من يؤمن أن هذا الكلام ليس فقط عقلانيا بل هو قمة كل العقل والحكمة والحقيقة

 دخلت الخرافة مرة أخرى بعقلنة. بدل أن يستخدم قدرة الله المطلقة بارجاعه لأمه لأن ذلك سيظهر مستحيلا ويستنكر ويستهجن من قبل المستمع جاء بخرافة يمكن عقلنتها. تم تحريم المرضعات على موسى. والتزم موسى بالتحريم فلم يرضع. وأخته التي كانت تتجسس عرفت ذلك بقدرة قادر. ليس فقط تمكنت من الدخول إلى قصر فرعون وبلاطه ببساطة بل وعرفت التفاصيل بسرعة البرق ايضا 

 طبعا يفسر أهل الترقيع حكاية تحريم المرضعات تفسيرا ترقيعيا يخالف النص لأنهم يدركون أن موسى طفل ولا يفهم معنى التحريم ولا يمكنه بعد أن يفهم الأوامر. لكن ما خفي عنهم أن الساجع مريض ذهاني ويظهر ذلك ممكنا بالنسبة له وشيئا طبيعيا وعاديا ولذلك اختلف نص كلامه الأصلي عن تفسيراتهم لاحقا

 رفض موسى للمراضع وهو رضيع جائع أمر خرافي ينافي الواقع. وهذه العلامة هي علامة تطويع الحبكة طبقا لرغبة المؤلف. وعقلنة الخرافة. حيث تظهر الطرق الثانية لتنفيذ قدرة الله في ارجاع موسى مستجهنة بينما طريقة التحايل ولو بحبكة خرافية تظهر للمؤلف عقلانية وأكثر إقناعا

 بينما دخول أخته ومعرفتها للأحداث وتمكنها من تقديم مقترحها بمرضعة من النوع الأصلي والمضمون أمر عادي وطبيعي وكأن فرعون رجل عادي يسكن في خيمة ويمكن لاي شخص التجسس عليه ورؤية ما بداخل خيمته ومعرفة نقاشاتهم ومشاكلهم 

 هذا كان حل الراوي لعقدة القصة. عقدة القصة هي كيفية تربية موسى لابنها دون أن يتم قتله كبقية الأطفال. وهذا كان الحل. للتخلص من خرافة تم ارتكاب عدد من الخرافات الأخرى 

فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) 

 لتعلم أن وعد الله حق – تأكيد على إيمان الساجع أن أم موسى تلقت وحيا مباشرا ووعدا مباشرا من الله حين قال رادوه إليك وأنها عوملت كنبية تتلقى الوحي وعلم الغيب ولم يكن مجرد إلهام كما يقول أهل الترقيع. يظهر الله كشيخ قبيلة يوفي بوعده وليس كإله يملك العصا السحرية المشهورة بتعويذة كن فيكون. والله في كل القصص القرآني عبارة عن إنسان لكنه كبير ولديه قدرات ومواهب استثنائية

إحصائية اللادينيين في الموقع

تحميل الجزء الثاني من كتاب ذهان النبوة

العين الحمئة وأهل الترقيع

كيف استطاع مريض بالفصام اثبات أن المعتقدات الدينية لا تختلف عن الأوهام الذهانية

الفصامي ورجل الدين

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: