black and white image of person in distance walking along waterfront

يرونه بعيدا


ردد ناظم السجع القرآني كثيرا أن أهل مكة كانوا ينكرون البعث ويوم القيامة ولا يؤمنون باليوم الآخر. ثم فجأة في إحدى السجعيات قرر أن يغير رأيه ويقول أنهم يؤمنون به لكن الخلاف حول موعده هل قريب أم بعيد

تكرر نفس الأمر مع تكذيبه لهم. فقد كرر في سجعيات كثيرة أنهم يكذبونه لكنه فجأة وفي سجعية يتيمة غير رأيه وقال أنهم لا يكذبونه ولكنهم فقط يجحدون

رأى وأفعال اليقين – لغويات

تستخدم أفعال اليقين لتفيد وقوع الخبر يقينا. من أفعال اليقين وجد ودرى وتعلم ورأى وعلم وألفى. وجد ودرى وتعلم لا تفيد شيئا غير اليقين ولا تحتمل شيئا غير اليقين. يلزمها مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر مثل الشمس تغرب في عين أو الشمس تطلع على قوم.

عندما تأتي رأى وبقية تصريفاتها للمضارع والمستقبل لتفيد الاعتقاد الجازم تكون من أفعال اليقين. وسماها اللغويون بــ رأى القلبية لاعتقاد العرب بأن القلب هو مركز الإيمان. بينما رأى البصرية تفيد المشاهدة وتكتفي بمفعول به واحد.

اليقين في هذه الأفعال يعود للمتكلم سواء كان يتحدث عن نفسه أو عن غيره.

إنكار أهل مكة للبعث والقيامة

كان العرب دهريين. يؤمنون أنهم ما يهلكهم إلا الدهر وأنه لا حياة بعد الموت. وقد ذكر ذلك ساجع القرآن في نظمه حيث قال

﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ ‌إِلَّا ‌ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ [الجاثية: 24]

﴿وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ﴾ [الأنعام: 29]

وقال في سجعية أخرى يظهر فيه غضبه وانفعاله الشديد من إنكارهم للبعث وانتقامه منهم بشكل فانتازي يشبه أحلام اليقظة

﴿وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ ‌أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ [الرعد: 5]

وقال ايضا

﴿بَلۡ قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٨١ قَالُوٓاْ ‌أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٨٢ لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨٣﴾ [المؤمنون: 81-83]

وهناك عشرات السجعيات الأخرى التي يقر فيها الساجع بأن أهل مكة كذبوه في ادعاء البعث والحياة الآخرة

لكنه يظهر لنا فجأة وقد نسي كل ذلك ويقول

﴿تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ ٤ فَٱصۡبِرۡ صَبۡرٗا جَمِيلًا ٥ إِنَّهُمۡ ‌يَرَوۡنَهُۥ ‌بَعِيدٗا ٦ وَنَرَىٰهُ قَرِيبٗا ٧ يَوۡمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلۡمُهۡلِ ٨ وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ ٩ وَلَا يَسۡـَٔلُ حَمِيمٌ حَمِيمٗا ١٠ ﴾ [المعارج: 4-10]

يرونه بعيدا – أي يؤمنون به لكنهم يعتقدون أنه سيقع بعد زمن طويل ونحن نعتقد أنه قريب جدا

هنا حير الساجع المفسرين من بعده. الفعل يرى هنا من أفعال اليقين. وهي يرى القلبية كما يسمونها. ولديها مفعولان: الأول هـ الضمير العائد على يوم القيامة (يوم كان مقداره – يوم تكون السماء كالمهل) والثاني بعيدا

بما أن اليقين يقين القائل, فالساجع متيقن من حدوث فعل الرؤية (الاعتقاد الجازم). وأهل مكة هم من وقع منهم فعل الرؤية أي الإيمان الجازم

وبما أن المفسرين يدركون من عشرات السجعيات الأخرى أن أهل مكة ينكرون يوم البعث والقيامة فقد أربكهم. ذهب بعضهم إلى القول أن بعيدا هنا تعني مستحيلا. لكنهم تراجعوا عن ذلك بسبب وجود قرينة تؤكد أن بعيدا تعني بعيدا في الزمن. وهذه القرينة هي الطباق بين بعيدا وقريبا والمقابلة بين السجعيتين. هناك مقابلة بين أهل مكة الذين يرونه بعيدا وبين الله الذي يراه قريبا. هذا يجعل بعيدا بمعنى أنه سيأتي بعد زمن طويل في المستقبل وليس زمن قريب. ويقر تيقن الساجع من إيمانهم بيوم البعث في مناقضة لكل نصوصه الأخرى

البعض من المفسرين وأهل اللغة ذهب إلى أن يرى قد تفيد الرجحان. أي أنها قد تكون ظنية وليس يقينية. لكن لم يكن لديهم شاهد آخر غير هذه السجعية. وجملة واحدة من ملايين الجمل الأخرى من كلام العرب لا تكفي. لماذا لا يكون مؤلفها هو المخطئ؟ ولأنهم يعتقدون اعتقادا مطلقا أن مؤلفها لا يخطئ كانوا يخطئون كل شيء آخر مقابل أن يبقوا على صحة السجع القرآني. لكن مشكلتهم في هذا التفسير أن اليقين هو يقين المتحدث. والتيقن يكون من حدوث الفعل. ولا يفرق الأمر. فالقائل هنا هو ناظم القرآن. إذن هو المتيقن من حدوث إيمانهم الجازم بيوم البعث. وهم من وقع منهم فعل اليقين يرى. ويوم البعث هو ما وقع عليه فعل اليقين يرى. ومشكلة أخرى واجهتهم وهي سجعية ونراه قريبا بعدها مباشرة. مما يجعل تأولهم هذا غير صحيح. فالسجعية تقابل بين تيقن الساجع من اعتقادهم الجازم أن يوم البعث بعيد واعتقاد الله الجازم أنه قريب

ظهر الأمر كمنطق عنزة ولو طارت. كيف تظل تردد أنهم ينكرون يوم البعث ولا يؤمنون باليوم الآخر وفجأة تقول أنهم يؤمنون به إنما (يرونه بعيدا بينما هو قريب). لا يمكن فهم حقيقة الساجع دون أخذ اضطرابه العقلي بالحسبان

منطق المذهون

في الواقع منطق المذهون يشبه تماما منطق عنزة ولو طارت. إنما في الشخص السليم يكون المرء متعمدا أن يقوم بالمغالطة والإصرار من أجل كسب الجدل. بينما يؤمن المذهون إيمانا راسخا بمعتقده ولا يمكنه رؤية التناقضات

يبني المذهون معتقداته عن الناس والعالم الخارجي على إيمان راسخ لا يتزحزح بأفكار نتجت من اضطرابه العقلي. وقد تكون ثانوية لأصوات سمعها سمع اليقين وهي لم تحدث. يسمع المذهون أصوات خصومه تتحدث عنه بالسوء وتتآمر عليه. ويتوافق معتقد الساجع هنا بإيمانهم بيوم البعث في المستقبل البعيد مع سماع أصواتهم يتحدثون بذلك. فظهرت في سجعياته بشكل تيقن من أنهم يرونه بعيدا ولم ينس أن يعلق بدوره: ونراه قريبا

فإنهم لا يكذبونك

منطق عنزة ولو طارت ظهر ايضا في سجعية أخرى

﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ ‌فَإِنَّهُمۡ ‌لَا ‌يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ﴾ [الأنعام: 33]

نلاحظ هنا أن الهلاوس السمعية التي يسمعها تؤدي وظيفتها: تسلية المهلوس وتحقيق رغباته. كان حزينا لأنهم يكذبونه فطمأنته أنهم لا يكذبونه ولكنه فقط جحود ومكابرة

تناقضت هذه السجعية مرة أخرى مع عشرات السجعيات القرآنية نذكر منها على سبيل المثال

﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ حِسَابٗا ٢٧ ‌وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كِذَّابٗا ﴾ [النبأ: 27-28]

وقال

﴿فَقَدۡ ‌كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ﴾ [الأنعام: 5]

وقال

﴿وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ ‌كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ﴾ [الأنعام: 150]

والسجعيات التي تؤكد أنهم كذبوا تعد بالمئات. وفجأة يقول أنهم لا يكذبون إنما يجحدون. ويظهر هذا للمفسرين وكأنه منطق عنزة ولو طارت فينبرون ليثبتوا أنه ليس منطق عنزة ولو طارت

وفي الحقيقة هو ضلالة راسخة. لا يهم المذهون تناقض ما يؤمن به مع افكار سابقة لأن ما يتحكم بمنطقه هو عمليات عصبية آنية مختلفة عما يدور في دماغ الشخص السليم

لاحظوا في ادعاء انشقاق القمر كيف كان مستغربا من تكذيبهم

﴿‌وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَكُلُّ أَمۡرٖ مُّسۡتَقِرّٞ ﴾ [القمر: 3]

لقد شققت لهم القمر. لقد أريتهم. فكيف كذبوني وظل الأمر كما هو عليه لم يؤمنوا (وكل أمر مستقر)

والسبب واضح. انشقاق القمر كان هلوسة بصرية. هم لم يروها فمن الطبيعي أن يكذبوه. لا أحد يكذب شيئا أبصره بعينيه. لكن محمد لم يستوعب أنه وحده من رأى القمر ينشق لأنه كان مؤمنا بما رأى. ولذلك كان يقول مستغربا تكذيبهم وعدم رؤيتهم لما يراه : أفتمارونه على ما يرى؟

لم يفهم المفسرون الأوائل لماذا لم يسلم أحد بسبب معجزة شق القمر؟ حتى أناس مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص الذين كانوا فقط يريدون دليلا على تواصله بالفضاء الخارجي. وقد أسلموا لاحقا عندما رأوا أنه انتصر عسكريا. فلماذا آمنوا بالقوة ولم يؤمنوا عند رؤية شق القمر؟ لم يفهم المفسرون أنه كانوا يعاني من هلاوس بصرية وشق القمر كان مشهدا هلوسيا لم يره أحد غيره

لا يمكن فهم القرآن وإدراك تناقضاته بشكل صحيح دون أخذ اضطراب مؤلفه العقلي بالحسبان. ولهذا السبب ظهرت آلاف التفاسير وما زالوا إلى اليوم يتأولون ويفسرون. لهذا السبب كان القرآن أكثر كتاب على ظهر الأرض امتلأ بخلل التواصل اللفظي ولا تكاد توجد سجعية واحدة تؤدي المعنى بذاتها وتفيد المعنى بمفرداتها وألفاظها دون الحاجة لكلام شخص آخر يفسرها ويؤولها

الله ليس سوى وثنخاف ورثه محمد من معتقدات قبيلته. وعندما أصيب بجنون الاصطفاء رآه وتكلم معه. في المدينة بعد انتصاره بلغ به وهم العظمة أن اعتقد أن الله وملائكته يصلون عليه. تمثل الصلاة الدرجة القصوى للعبودية والخضوع. لقد بلغ هذيان العظمة بالساجع مبلغا لا حدود له


التبرع للموقع

يعتمد هذا الموقع على الإنفاق الذاتي وعلى تبرعات المتابعين. تستخدم النفقات لتغطية تكاليف استضافة الموقع ورسوم الدومين وعمليات الصيانة وأجور المبرمجين للتطبيقات الشبكية ومقابل الاستشارات العلمية. إذا أحببت اضغط على الزر أدناه للتبرع عبر باي بال أو بطاقة الاعتماد


Donate Button with Credit Cards

نزل تطبيق الموقع لأجهزة الأندرويد. معكم أينما كنتم


قناتنا على اليوتيوب



ملاحظة : الوثنخاف مصطلح لتسمية الإله الإبراهيمي. ويتكون من شقين الأول وثن وتعني كائن تخيلي يتم افتراضه وتخيله ثم اقناع النفس بوجوده. وهو كائن أخرس ابكم أطرش اصم لا يستطيع أن يقول حتى كلمة بم. والشق الثاني خفي. وتعني غير مرئي وذلك لتمييزه عن الأوثان المرئية مثل هبل والعزي ومناة الثالثة الأخرى

تعريف النبي : في الدين النبي هو شخص يسمع أصواتا لا يسمعها أي شخص طبيعي آخر حتى لو تواجد معه وقتها. ويرى اشياء لا يراها أي شخص طبيعي حتى لو تواجد معه وقتها. ويعتقد أنه المصطفى الذي يصلي عليه الله والملائكة. وهذا التعريف الديني للنبي يتوافق تماما مع التعريف الطبي للاضطراب الذهاني

شارك الآن إن لم تكن قد فعلت من قبل في إحصائية اللادينيين

إحصائية اللادينيين في الموقع

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.