يذرؤكم فيه

 

غموض الإشارة

Vague references

هو أحد علامات تشوه اللغة في الذهان ويكون في الغالب على شكل استخدام ضمير ظاهرأو مستتر بعدة طرق شاذة منها:

الأولى استخدام الضمير ظاهرا أو مستترا استخداما غامضا غير محدد يمكن أن يفهم بعدة طرق متناقضة. 

والثانية استخدام ضمير ظاهر أو مستتر استخداما لا يمكن تحديد ما يعود عليه .

والثالثة الارتباك بين المتكلم والمخاطب والغائب. والرابعة الارتباك بين المفرد والجمع. والخامسة استخدام ضمير يعود على شيء لا وجود له في الكلام. هذا الشيء المنعدم في الكلام تواجد فقط في دماغ الساجع وقت تأليف الكلام ونسيه بعد ذلك فظلت العبارة غير مفهومة للأبد. ومثال على استخدام ضمير يعود على شيء لا وجود له السجعية التالية: 

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) 

الإشارة إلى غير مذكور

يذرؤكم فيه. يذرؤكم في ماذا؟ الهاء ضمير يعود على شيء غير موجود في الكلام الوارد. يشير الساجع إلى شيء لا يوجد إلا في دماغه. فتصبح العبارة ذهانية لا معنى لها تحتاج لترقيع وفتح قوسين لاختراع كلمة مناسبة للترقيع. ولهذا السبب وجد شيء اسمه التفسير. ولو كان كلام الساجع غير ذهاني وبليغا يوصل المعنى للمستمع بسلاسة لما احتاج الناس إلى أهل الترقيع ليخترعوا التفسير.

ويمكنك استيعاب ذهانية قوله يذرؤكم فيه إذا فتحت أحد التفاسير كابن كثير أو الطبري لترى كمية التكلف والحيرة في سمكرة العبارة وترقيع المعنى.

المعنى الأصلي لكلمة يذرؤكم هو ينجبكم. ومنها الذرية. ويمكن أن تستخدم بمعنى يزرعكم وينبتكم مشبها الزرع بالذرية.واعتقد أن هذا المعنى هو المقصود هنا. وقد ورد لفظ ذرأ في سجعيات أخرى بمعاني مقاربة كقوله ذرأ لكم من الحرث والأنعام وقوله ذرأكم في الأرض الخ ورغم أن محمد لم يكن يستخدم مصطلح أبناء الله العبراني إلا أنه كان متأثرا بشكل لا شعوري بالفكرة كما يبدو.

عموما غموض الإشارة لم يكن الشذوذ الذهاني الوحيد في هذه السجعية. فقوله قبلها : جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا تحمل شذوذا لغويا ذهانيا بدورها. إذا فهمنا عبارة جعل لكم من أنفسكم أزواجا أنه يقصد خلق الإناث من الذكور لأنه حواء خلقت من آدم كما تقول الاسطورة الابراهيمية الخاطئة فإن عبارة ومن الأنعام أزواجا بعدها تصبح ذهانية. فهل يقصد أنه يمكن للذكور اتخاذ زوجات من الحيوانات مثلما يتخذون زوجات من ابشر مثلهم؟ وإذا فهمت أنه جعل من البشر ذكورا وإناثا ومن الأنعام ذكورا وإناثا تصبح عبارة ومن الأنعام أزواجا انجرافا غير ضروري انجرف إليه بسبب تزحلق ذاكرته من الإنسان إلى الحيوان عند ذكره التزاوج وهذه هي علامة غياب التثبيط الأمامي حيث لا يستطيع الذهاني كبح الافكار المتدفقة في رأسه ولا يمكنه التحكم فقط بالحديث عن المطلوب وتبدأ افكاره بالتقفز والطيران من موضوع إلى موضوع. وربما كان هذا هو ما يحدث في دماغ الساجع في تلك اللحظة حيث قفز دماغه بعدها إلى شيء جديد نسي أن يذكره واشار إليه بضمير الغائب حين قال يذرؤكم فيه. هو كان يقصد شيئا محددا يذرؤهم فيه لكن بسبب الاضطراب اللغوي لم يسعفه تفكيره بترتيب الكلام ترتيبا صحيحا وذكر المطلوب ذكره كاملا غير منقوص.

الارتباك بين المخاطب والغائب

علامة غموض الإشارة وارتباكها كثيرة الورود في القرآن بشكل كثيف.

وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17)

لاحظ أنه كان يتحدث بصيغة المخاطب. تميد بكم. لعلكم تهتدون. وفجأة انتقل إلى صيغة الغائب: وعلامات وبالنجم هم يهتدون. ثم فجأة عاد للمخاطب: أفلا تذكرون.

هذا الارتباك في الاشارة بين المخاطب والغائب شذوذ ذهاني شائع في لغة المصابين. الذي ولد هذا الشذوذ هنا هو تطاير الأفكار وعدم القدرة على التثبيط فعندما قال سبلا لعلكم تهتدون جرفه الاهتداء بالسبل إلى الاهتداء بالنجوم وانجرف من القوم الحاضرين الذين يخاطبهم إلى مشهد هلوسي لأناس آخرين غائبين يسافرون ليلا فقال: وعلامات وبالنجم هم يهتدون. كلمة علامات بدورها كلمة غامضة توحي بشيء آخر غير السبل وغير النجوم ولكن هذا الشيء الآخر المجهول غير موجود في الكلام وتواجد فقط في دماغ الساجع وقت تأليف العبارة ونسيه بعد ذلك فظل حيرة لأهل الترقيع فلا يدرون ماذا يقصد بعلامات.

الارتباك بين المفرد والجمع

ومن أمثلة اضطراب غموض الإشارة قوله:

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)

شبه الجمع (مثلهم) بالمفرد (استوقد نارا) ثم انجرف في مشهد هلوسي فاضطرب عليه التحكم بالضمائر ومن تعود عليه فقال: فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم بدل أن يقول فلما اضاءت ما حوله ذهب الله بنوره وتركه. نسي أن الذي استوقد نارا في البداية و المشبه به(الذي استوقد) وخلط بينه وبين المشبه (مثلهم أي الكفار) وتولد لديه مشهد هلوسي لأناس انطفأ ضوؤهم ثم صار بعد ذلك مطر ورعد وبرق:

فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا….الخ

انجرف في المشهد الهلوسي بشكل مريع وضاع عليه حبل الكلام ونسي الغرض من التشبيه وارتبكت الضمائر ومن تشير إليه.

ذوبان المشبه في المشبه به

ومن الأمثلة على هذا الشذوذ اللغوي الذهاني في سجعيات القرآن قوله:

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)

شبه الذين كفروا بشخص ظمآن يخدعه السراب. ثم نسي المشبه به وغرق في صورة المشبه  فقال وجد الله عنده فوفاه حسابه. يقصد الذين كفروا يوم الحساب. ارتبك بين الجمع والمفرد فجعل ضمير المفرد يعود على الجمع. ثم ذاب الذين كفروا نهائيا في الظمآن فصاروا شخصا واحدا وجد الله يوم الحساب في البداية ثم اصبح على شاطئ بحر يرى طبقتين من الموج فوقها طبقة ثالثة من السحاب ويخرج يده فيكاد لا يراها في الظلام. وهذه السجعية عبارة عن مشهد هلوسي جارف ناقشناه في موضعه.

شارك في إحصائية اللادينيين إن لم تفعل ذلك من قبل

حمل الجزء الثاني من كتاب ذهان النبوة مجانا

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: