السجعيات اللاهثة المزدحمة

المصدر: ذهان النبوة – الجزء 2 – تحت الاعداد

عندما نتكلم عن لغة الساجع يقفز المؤمن البسيط للقول أنتم لا تفهمون ما يقول لأنكم لا تفهمون العربية.

نحن لا نتحدث هنا عنا وعنك. فكل من عاش ويعيش في القرنين العشرين و الواحد والعشرين وحتى قبلهما بقرنين ثلاثة من الزمن لا يجيد العربية إلا كلغة ثانية بينما لغته الأم هي الدارجة

نحن نتكلم عن حيرة العرب الأوائل في الثلاثة القرون الأولى  في فهم كلماته. هؤلاء كانت العربية لغتهم الأم التي يتعلمونها من أمهاتهم. وهذه الحيرة هي ما يوضح ذهانية الساجع وليس مقياسي ومقياسك عزيزي المسلم المعاصر

من الأعراض المرضية في الكلام السجعية الشديدة والربط السجعي بين الأفكار المتلاحقة وانضغاطية الكلام فيكون قصيرا لاهثا مزدحما متسارعا

أكثر ما توجد هذه الاعراض في نوبات الهوس وأقل منها في الاضطرابات الذهانية

وتتجلى هذه الأعراض في مقطوعة المرسلات

وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6)

 

عانى مؤلف القرآن في بداية اضطراب ذهان النبوة من نوبات هوس عامة. يمكن لاضطراب المزاج أن يظهر في الشخص المصاب باضطراب الضلالة لسبب المرضية المتزامنة.

احتقار الناس له وتكذيبهم لادعاءاته وعدم تصديق أوهام العظمة التي يكررها كاختيار السماء له ليكون المنقذ وخير البشر وصفوة ولد آدم قد تؤدي إلى تضخم أوهام العظمة بشكل أكبر كردة فعل ووسيلة دفاع نفسية تعويضية

تتميز نوبات الهوس بالسجعية الشديدة والجمل القصيرة اللاهثة المتسارعة

ويمكن التفريق بين السجع الذهاني والسجع العادي باوجود النيولوجيزم عند الذهانيين. وتظهر إما في اختراع ألفاظ لا وجود لها مثل كهيعص وحسق وطسم وضيزى الخ وإما في استخدام ألفاظ معروفة في معاني غريبة جدا لا يفهم مغزاها إلا المريض

وعادة ما يتولد مشهد هلوسي من منظر طبيعي في علامة مرضية تسمى بالهلاوس الوظيفية إذ يثير مدرك حسي طبيعي نشاطا هلوسيا غير طبيعي

ولو دققنا السجعيات أعلاه لوجدنا أن الساجع يبدو وسط هبوب رياح عاصفة

هبوب الرياح ولد له مشهدا هلوسيا يراه حقيقيا وهو في الواقع وهم. الملائكة على الأرجح

فقال والمرسلات عرفا. استخدم كلمة عرفا استخداما ذهانيا لا معنى له ولا قيمة

كيف يمكن لأي شيء أن يرسل عرفا؟؟ كيف ترسل الملائكة عرفا؟؟ أو الرياح عرفا؟؟

معنى ذهاني أخذ صفحات كاملة من ابن كثير والطبري لمحاولة إخرج جملة عقلانية من هذيان غريب

البعض قال هي الرياح ترسل كعرف الفرس لأن عرف الفرس يتكون من شعرات بجوار بعضها

لكن كيف ترسل الرياح عرفا؟ وكيف يصير عرف الفرس وهو اسم شيء محدد تمييزا؟

كأنك تقول ارياح المرسلات شعرا. أو الرياح المرسلات حصانا

تفسيرها بهذه الطريقة يعني تحويل التمييز إلى تشبيه وكلاهما معنى غريبا غير طبيعي

ومنهم من قال هو المعروف ثم وقع في الفخ ولم يعرف كيف يتخلص من المرسلات (معروفا)

وهكذا الأمر عندما تحاول أن تعطي عقلانية لكلام مجنون من شخص ذهاني لا عقل ولا منطق ولا تعابير سليمة

هي باختصار نيولوجيزم. جهل الناس بحقائق الطب النفسي تجعل صعبا عليهم التنبه لهذا الاضطراب بل وتجعل القارئ لنا لا يستطيع فهم ما نكتب. لأن الطب النفسي شغلة تخصص لنخبة من الناس للأسف

تطاير الأفكار واضح الى جانب النيولوجيزم وغرابة التعبير الذهاني في مقطوعة المرسلات. فالساجع انتقل فورا من المرسلات عرفا ولم يوضح أي شيء عنها فقط أشياء مرسلات عرفا!!!. انتقل فورا إلى الفكرة الثانية التي خطرت بباله: الرياح وهي تعصف. العاصفات عصفا

ولا يوجد سبب غير الوزن والقافية يجعله يضيف كلمة عصفا؟؟ أكيد أن الرياح اذا عصفت فستعصف عصفا. أم هناك من يظنها ستعصف وقفا؟؟أو نشفا؟؟؟

لكن السجع يقتضي هذا من أجل الجرس والوزن والتفعيلة

لكن ما علاقة العاصفات بالموضوع بأكمله؟؟ لا شيء سوى مشهد هلوسي يلوح أمام عيني رجل ذهاني

مرسلات عرفا تثير عاصفات عصفا. وعرفا كلمة معناها ذهاني لا يعرفه سواه

تطاير الأفكار واضح. فبعد العاصفات عصفا تنقله فكرة الرياح الى السحاب المرتبطة بها. فيقول الناشرات نشرا

مع أنه في الحقيقة لا أحد يعرف إذا ما كان الساجع فعلا يشير إلى السحاب أم إلى مخلوقات هلوسية لم يشاهدها أحد سواه وهي تنشر شيئا  نشرا

وطبعا ما انطبق على عصفا ينطبق على نشرا. فالناشرات ستنشر أي شيء نشرا. أم هناك من يظن أنه ستنشره طيا أو لفا أو قفرا؟؟؟

المفعول المطلق يذكر بعد فعل من جنسه لعدة غايات منها ثلاث غايات مقبولة بلاغيا وغاية تعتبر حشوا فارغا. الغايات الثلاث القيمة هي بيان نوع الفعل(سرت سير العجلان) وبيان عدد مرات الفعل (سافرت الى لندن سفرتين) والنيابة عن الفعل(سيرا الى المجد). والغاية الرابعة هي المبالغة وهي منتشرة في الشعر والسجع وتعد تكلفا ونقطة ضعف بلاغية ويكون الغرض منها هو فقط الحفاظ على الوزن والقافية ولا تؤدي أي معنى أو قيمة معلوماتية وهي مجرد حشو كقولك مزقت الدفتر تمزيقا وقول القرآن الناشرات نشرا العاصفات عصفا الفارقات فرقا الخ.

ولك أن تتخيل أن كائنا تنسب إليه نهاية البلاغة ونهاية الفصاحة وهذا كل ما يقدر عليه.الناشرات نشرا.صببنا الماء صبا. مجرد سجع لا يضيف للمعنى شيئا ويوضح الجذور الأولى للقرآن والطبيعية الذهانية لمؤلفه

فالفارقات فرقا. جمل خالية من أية قيمة

الفارقات. وما يناسبها هو فرقا. ولو قال الجامعات لقال جمعا. تستطيع أن تتنبا بسهولة بكيفية صياغة هذه المقطوعات اللاهثة المتسارعة الراكضة

مرة أخرى يبدو أنه يشير لكائنات هلوسية ولا أحد يدري ماذا تفرق وماذا يرى الرجل وما هي الصورة الكاملة لهلاوسه التي لم يسمح تطاير الأفكار بشرحها

بينما عاش المفسرون ضياعا لا مثيل له لأنهم صدقوا أن هذا الكلام ألفه إله الكون وله معنى طبيعي

فقال تفسير الجلالين أنها آيات القرآن تفرق بين الحلال والحرام. ولا تدري كيف دخلت بين الرياح والفرس والملائكة وبقية الجوقة الهلوسية

والآخرون قالوا هي الملائكة تفرق الرزق بين الناس . وآخرون قالوا هي السحاب تفرق المطر. وآخرون قالوا هي الرياح تفرق السحاب. وهكذا كل واحد يحاول أن يعطي معنى لجملة ذهانية شاردة تتقفز بسرعة البرق وليس لها مدولو منطقي  

الواضح أنها تفسير محمد لنوبة من الهلاوس السمعية والبصرية التي تولدت نتيجة منظر طبيعي ربما كان هبوب الرياح القوية في ليلة غائمة

رياح عاصفة ولدت في دماغه مشهد كائنات ترسل عرفا كما قال ولا يدري ما يقصد ثم رآها تنتشر وتنشر السحب أو شيئا ما ثم سماها فارقات ربما لأنها تفرقت عن بعضها أو تفرقت السحب فظنها فرقتها ثم سمعها تخاطبه

الساجع لم يكن يسمع صوتا واحدا. في موضع سابق قال : التاليات ذكرا

وهنا قال:

الملقيات ذكرا.

لم يكن محمد يسمع الهلاوس من شخص واحد. بل أكثر من شخص

يسمي الهلاوس التي يسمعها بالذكر. ويقول إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

لقد كانت هلاوس يسمعها ويظنها تأتي من الفضاء الخارجي

هل تذكرون أن قريشا قالت لمحمد هل الملائكة بنات الله؟؟ ومحمد أنكر

لماذا قالت قريش ذلك؟ لأن الساجع هو من وصفها

التأنيث هنا ليس لفظيا. التأنيث اللفظي لا يجمع. قال الملقيات وليس الملقية. وقال التاليات وليس التالية. التأنيث اللفظي تأتي الصفة مفردا فنقول هذه السيارات سريعة. وليس سريعات. لكننا نقول هؤلاء النسوة سريعات ولا نقول سريعة

الساجع هو من عامل الملائكة على أنها إناث

الملقيات ذكرا. لو كان الساجع يريد تأنيثا لفظيا فقط لقال الملقية ذكرا وفي موضع آخر التالية ذكرا ولكنه قال الملقيات والتاليات والمرسلات

وقريش تعرف لغتها. ولذلك قالت له ذلك. وكأي ذهاني تفاجأ بحجة معارضيه وأنكر ولكنه لم يوضح موقفا محددا وقال هل معقولة الله يعطيكم ذكورا ويخص نفسه بالإناث؟؟

وهو جواب كما هو واضح لا يحمل أي منطق

ثم ختم هذا المقطع بالقول:

عذرا أو نذرا.

عذرا لمن وإنذارا لمن. بافتراض أنه يقصد بكلمة نذر إنذار.

التركيب اللغوي غريب ومبتور وغير مفهوم. لكن من حس السجعيات تستطيع أن تخمن ما يقصد بدرجة معقولة من الدقة

وهنا تكتمل الصورة الذهانية. كأنه يريد أن يقول أنه يتم إلقاء الذكر عليه من أجل أن يعذر الله نفسه أو ينذر خصومه

صورة الله وهو محتاج لابراء الذمة أمام منتجاته صورة ذهانية ساذجة لا تناسب سوى المنطق الذهاني

وفي الأخير دعونا نرى مقطوعة سجعية عادية للمقارنة بين سجع شخص سليم وشخص ذهاني وهي لقس بن ساعدة الإيادي وهو من أحناف العرب او الصابئة وقدسمع منه محمد شخصيا مما ساعد في ترسيخ الفكرة في عقله الباطن ليتبناها أول ما أصيب بذهان النبوة:

(ليلٌ داج ٍ (1) ، ونهارٌ ساج ٍ (2) ، وسماءٌ ذاتُ أبراج ٍ ، ونجومٌ تـَــزْهَــرُ(3) ، وبحارٌ تـَـزْخـَـرُ(4) ، وجبالٌ مُـرْسَاة ٌ ، وأرْضٌ مُدْحاةٌ (5) ، وأنهارٌ مُجْـراة ٌ . إنّ في السماء ِ لـَخبَرًا ، وإنّ في الأرض ِ لعِـبَـرًا . ما بالُ الناس ِ يذهبون ولا يرجعون ؟ أرضوا فأقاموا ، أم تـُـرِكوا فناموا

لا نيولوجيزم. لا معاني غريبة ولا تراكيب غريبة ولا استخدام غريب لألفاظ معروفة

ولاحظ قوله أرض مدحاة وجبال مرساة وسماء ذات أبراج. نفس التعبيرات المستخدمة لاحقا في سجعيات القرآن وتوضح مدى تؤثره بموروث الكهنوت من قبله

بالمقارنة يتضح غياب النيولوجيزم وغياب التنقل المبتور من فكرة لفكرة كما يتضح أن للسجع معنى واضح لا يحتاج للسمكرة والتأويل

Advertisements
Advertisements

Advertisements

Advertisements

Advertisements

Advertisements

Advertisements

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: