الروح في لغة الذهان

المصدر : كتاب ذهان النبوة الجزء 2

اضطراب اللغة عند الذهانيين ينتج بسبب اضطراب آلية إنتاج الأفكار. ومن اضطراب اللغة الشائع في الذهان النيولوجيزم. ومن مظاهر النيولوجيزم الاستخدام الغريب الذهاني لألفاظ معروفة وسليمة

فمثلا يقول المريض الذهاني

هل كنت تتسابق أني لن افهم قصدك؟

وهو يريد أن يقول هل كنت تعتقد فقال تتسابق. تتسابق لفظة معروفة لكن الاستخدام هنا كان ذهانيا

ويمكن للمريض الذهاني أن يقول

 هل كنت تركب أنها لن تمطر؟ وهو يقصد هل كنت تتوقع. تركب كلمة معروفة لكن استخدامها هنا ذهاني

  هذا النوع من الاضطراب كثير الورود في القرآن. دعونا نتأمل بعض الأمثلة 



 تستترون مكان تتوقعون  

 وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) 

  يريد أن يقول ما كنتم تتوقعون فقال تستترون. تستترون كلمة معروفة لكن استخدامها هنا استخداما ذهانيا غير سليم

قال الطبري وابن كثير عند محاولة تفسيرها : واختلف أهل التأويل في معنى قوله:( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ )

 تستترون تعني تستخفون خلف ستار

سبب اختلاف أهل التأويل (الاسم الكهنوتي للمفسرين) أن بعضهم حاول أن يتمسك بالمعنى المعروف للفظة وهو تستخفون ثم قام بفتح قوسين لوضع عدد كبير من العبارت التقديرية والجمل الافتراضية التي أنشأها في مخيلته لإصلاح خطأ الله التفكيري

 بينما حاول البعض الآخر أن يتجاهل اللفظة ويستنتج المعنى من السياق فقال أن معناها تتوقعون أو تظنون أو تتوهمون

 فهم المعنى المطلوب من خلال السياق فقط كما فهمناه نحن وكما يفهمه أي شخص يعرف العربية ثم تجاهل الكلمة المستخدمة بشكل ذهاني ووضع مكانها الكلمة التي كان يجب أن توضع

 تفسير القرآن لم يكن رفاهية زائدة نتجت عن عدم صنعة وقلة مرعى بل كانت ضرورة ملحة وإجراء اضطراريا لترقيع كلام مضطرب ذهاني وإنتاج معنى عقلاني من نص غير عقلاني

غالبا ترد الاستخدامات النيولوجيزمية للألفاظ مرة واحدة ونادرا ما ترد مرتين كما سنرى في المثال التالي



  يهدي بدل يتبين

  أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100) 

 قال أولم يهد وهو يريد أن يقول أو لم يتبين. هذا الاستخدام نيولوجيزمي لكن الكلمتان مرتبطتان ارتباط خفيفا. والربط الخفيف يظهر عند الذهانيين باستخدام ألفاظ قريبة. وأحيانا عبارات قريبة. يمكن للذهاني أن يقول لك آلة الكتابة بدل أن يقول القلم مثلا

 ويمكنه أن يصف شخص كان يمشي ثم توقف بالقول مشى ثم قام بدل أن يقول مشى ثم توقف. وذلك بسبب التقارب بين توقف وقام. قام تعني كان جالسا ثم انتصب واقفا. ولا تستخدم إذا كان يمشي ثم توقف. لكنها قريبة

 وقد استخدمها محمد في سجعية أخرى حيث قال

  يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا

  التقارب بين قام وتوقف جعله يستخدم قام استخداما نيولوجيزميا. والتقارب بين الهدى والتبين جعله يستخدم يهدي استخداما نيولوجيزميا

  وقد تكرر استخدام يهدي بنفس المعنى مرة ثانية لا ثالث لها في قوله

   أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) 

   ويمكن ملاحظة تكرير كلمة يسمعون في السجعيتين وكان يمكنه القول يعقلون أو يبصرون وهذا ناتج عن التحيز الحسي للسمع بسبب كون الهلاوس المهيمنة في مرضه هي الهلاوس السمعية



 ييأس مكان يتيقن

   أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا

  قال أفلم ييأس وهو يقصد أفلم يتيقن. نتج هذا عن اضطراب اللفظ المقلوب حيث يتعاكس معنى ييأس ومعنى يتيقن 


الاستخدام الذهاني لكلمة روح 

 يظن المسلم البسيط أن كلمة روح في قوله قل الروح من أمر ربي تعني الروح التي تقدمها الأديان على أنها تبث الحياة في الجسد وتفارقه عند الموت

 لكن محمد استخدم كلمة روح استخدامات مختلفة واحدا منها كان استخداما ذهانيا غريبا جدا

 المعنى الأول كان يقصد فيه الروح القدس الذي ورد في المسيحية مقترنا بالمسيح ومريم

 وآتينا عيسى بن مريم البينات وايدناه بروح القددس

  المعنى الثاني الهواء الذي نفخه في آدم وهو أقرب المعاني إلى ما يفهمه عوام المسلمين: نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين

 الثالث معنى ذهاني غريب جدا. يبدو أنه نوع من الهلاوس الحسية يمثل شعور محمد بها وكأنه يتلقى أمرا محددا من الله. تأملوا السجعيات التالية

  يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)

  حاول المفسرون جعل الروح هنا نفس الروح القدس المسيحي. لكن الروح لدى الساجع شيء تحمله الملائكة مرتبط بالأمر كما هو واضح من السجعية

 يتطابق هذا سريريا مع هلوسة حسية تسري في جسده فيفسرها على أنها أمر من الله أو وحي منه 

 أكد على ذلك في أماكن أخرى حيث قال

  وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ

  قال أوحينا روحا. روحا بصيغة نكرة غير معرفة. تأتي على شكل وحي. ومرتبطة ارتباطا لصيقا بالأمر

  عندما تكلم عن الروح القدس المسيحية قال أرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا. أرسلنا وليس أوحينا. لكنه هنا قال أوحينا إليك روحا

  حاول المفسرون مرة أخرى اعتبار كلمة أرسلنا مثل أوحينا لكي يمرروا أن الروح هو نفس الشيء في الحالتين. بينما في الحالة الأولى كان نسخ لصق من المسيحية وفي الثانية كان تعبيرا عن هلوسة حسية تسري في جسده وتعطيه الأمر

 وأعاد نفس الكلام الغريب بلهجة اكثر قبولا للترقيع حيث قال

يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)

 هذه المرة تم إلقاؤه إلقاء. هذا يؤكد ما ذهبنا إليه من أنه يصف شيئا يحس به يلقى عليه ويسري في جسده ويفسره على أنه من أمر الله. تكرر ربطه بالأمر. الأمر تستخدم مع الروح استخداما توحديا متكررا لا يقبل الترادف. في كل مرة يتكلم عن هذا الشعور يقرنه بالأمر

ولعل هذا المعنى الغريب الأطوار شد انتباه أهل مكة فسألوه ما هو الروح هذا الذي يوحى إليك ويرتبط بالأمر؟ ماذا تقصد بهذا الكلام

 فأجاب إجابة تعيد نفس التعبير الذهاني الغريب وتؤكده. الروح الأمر

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) 

واستمر يكرر نفس المعنى مع تغيير بسيط في الألفاظ. واضح جدا أن الفكرة اصبحت وسواسا قهريا يقوم بتكراره مرات ومرات

تكرار فظيع يؤكد الاستخدام الغريب لـ كلمة الروح وربطها بالأمر ربطا توحديا ووسواسيا.ويعيد ويزيد

تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4)

 هذه المرة تنزل الملائكة والروح من الأمر وليس تنزل الملائكة بالروح من الأمر. اختلاف طفيف مع التمسك بالمعنى الغريب الذي لا يعرفه أحد غيره.لم يختف هذا الاستخدام النيولوجيزمي الغريب للفظة الروح من سجعيات محمد إلا بعد هجرته للمدينة حيث بدأ يظهر استخدامه بشكل اساسي بالمعنى المسيحي المرافق للمسيح ومريم. والسبب في ذلك على الأرجح تعافيه من الهلاوس الحسية وبقاء بعض الهلاوس السمعية بسبب تخفيف الضغط عليه بعد أن هرب من ضغط قريش في مكة وصار الحاكم بأمر الله في يثرب

 

شارك في إحصائية اللادينيين

اشترك في النشرة الدورية عبر الإيميل

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: