والطوب واللفظ المقلوب – 3

الخلط بين معنى اللفظ وعكسه واستخدام العبارات استخداما معكوسا والارتباك بين النفي والاثبات اضطراب تفكيري شائع في كلام الذهانيين ومن ذلك سجعيات القرآن.

وقد أوردنا بعض الأمثلة في الجزء الأول والجزء الثاني من مقالات والطوب واللفظ المقلوب.

وفي هذا الجزء نورد أمثلة أخرى.

ففي السجعية التالية نلاحظ كيف استخدم ساجع القرآن عبارة أم أنا خير منه استخداما ذهانيا معكوسا

وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)

استخدم الساجع عبارة أم أنا خير من هذا استخداما معكوسا ومقلوبا بدل أن يقول أم أنا اسوأ من هذا المهين. الكلام سليم لغويا ونحويا ولكنه مضطرب تفكيريا إذ يحمل فكرة مناقضة للمعنى المطلوب.

جملة أم أنا كيت وكيت ترد من أجل استنكار ما بعدها ووادعاء عكسه. وكان الوضع السليم أن يقول أم انا أسوأ من هذا المهين. أو أم أنا أقل.

فمثلا يقول القائل ألست أنا من من يحمل شهادة عليا أم أنا أقل من هذا الريفي الجاهل؟

حيث يتم استنكار ما بعد أم ونفيه ضمنيا. فكون القائل أقل من الريفي الجاهل تم نفيه ضمنيا في سياق العبارة.

يتميز الذهان بفقد القدرة على فهم المعاني الضمنية المكملة للعبارات. العبارات اللغوية تحمل معنى أوليا

denotation

 ومعنى ضمنيا مكملا.

connotation

 كلا المعنيين تصريحيان يفهمان من العبارة ولا يفصلان عن بعضهما ولا يكتمل المعنى بدون أي منهما. والمعنى الضمني المكمل في عبارة أم أنا خير منه هو الاستنكار واستحضار العكس. وبذلك يجعل الساجع فرعون وكأنه ينفي أفضليته ويثبت نقيضه. بينماهو يريد العكس تماما .

عندما تقول أم أنا اقل من فلان فإن العبارة تحمل معنى ضمنيا مفاده كلا بل أنا أفضل.

وعبارة الساجع على لسان فرعون أم أنا خيرمنه تحمل معنى ضمنيا مفاده كلا بل أنا أسوأ.

الساجع يريد قول العكس تماما لكن اختلط عليه المعنى وضده وارتبك بين النفي والاثبات كعادة المصابين بالاضطرابات الذهانية.

 

يظهر اضطراب اللفظ المقلوب في العبارات أكثر لكنه ايضا قد يظهر في الألفاظ المفردة. ونورد السجعية التالية كمثال:

وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)

 

يريد أن يقول أن القافلة السيارة وجدوا يوسف مرميا في البئر فاستخرجوه وأسروا نيتهم استخدامه كبضاعة للبيع. ثم باعوه بثمن بخس. ولكنه لم يقل باعوه وقال شروه.

اختلط عليه لفظ البيع والشراء ولم يفرق بينهما. واستخدم اللفظة استخداما معكوسا.

وقد حاول المفسرون إخراج معنى عقلاني من هذا الكلام المضطرب المقلوب فاضافوا جملا افتراضية وأحداثا تخيلية حتى أن بعضهم ادعى أن الذين باعوه هم إخوته. بينما ‘خوته حسب رواية محمد رموه في البئر ليلتقطه المسافرون وذهبوا قبل مجيئهم بزمن طويل ولم يدروا ماذا حدث له حتى تفاجأوا به وهم يكتالون بعد زمن.

ولو عرف المفسرون علامات الذهان واضطراب محمد لما احتاروا فالأمر واضح وسبب قوله شروه بسيط: اضطراب اللفظ المقلوب.

رأينا في الجزئين السابقين من المقال كيف قال في سجعيات أخرى: إن الساعة آتية أكاد أخفيها وهو يريد أن يقول أكاد أظهرها.

ورأينا كيف قال يتجرعه ولا يكاد يسيغه وهو يريد أن يقول يتجرعه ولا يكاد يبتلعه.

ورأينا كيف قال ما منعك ألا تسجد وهو يريد أن يقول ما منعك أن تسجد… وهكذا

 

ارتباك الساجع بين الشراء والبيع ظهر في مكان آخر:

 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)

 

كيف يشري نفسه. هو يريد أن يقول أن يبيع نفسه لله. حيث قال في مكان آخر إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم. فالله اشترى والمؤمن باع. ولكنه لم يقدر على الحفاظ على الفاصل المعنوي بين البيع والشراء فقال من الناس من يشري نفسه بدل يبيع نفسه لله الذي اشترى.

جعلت هذه السجعية بعض المفسرين يفترض أن يشري تعني ايضا يبيع. لكنهم فشلوا في إيراد أي شاهد آخر من كلام العرب واشعارهم يؤيد هذا الترقيع واكتفوا بكلام محمد مفترضين صحته افتراضا مسبقا ومستبعدين أي اضطراب فيه لأنهم يظنونه من تاليف الله شخصيا. ولذلك كان التفسير ضرورة لمؤسسة الكهنوت وليس رفاهية من أجل تحويل كلام ذهاني مضطرب إلى كلام ذي معنى معقول للناس

 ولا يقتصر عكس المعنى على العبارات والالفاظ بل يمتد للمشاهد الهلوسية التي يعانيها مريض الذهان

 لنتأمل هذه السجعية

 وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) 

 يزلقونك بابصارهم. عبارة حيرت المفسرين واختلفوا فيها اختلافا شديدا حتى أنك تجد عددا من المعاني الافتراضية لها في تفسير الطبري وابن كثير فمن يقول يقصد يزهقونك ومن يقول يقصد ينفذونك ومن يقول يقصد يصرعونك وهلم جرا ترقيع وراء ترقيع وافتراض خلف افتراض

 زلق كلمة فصحى وليس غريبة أو وحشية أو من نادر الكلام. يوضحها مختار الصحاح كالتالي:

 ز ل ق مَكَانٌ زَلَق بالتحريك أَيْ دَحْضٌ وهو في الأصل مصدرُ زَلِقَتْ رِجْلُه من باب طَرِب وأَزْلَقَها غَيْرُه. والمَزْلَق والمَزْلقة الموضع الذي لا تَثْبُتُ عليه قَدَم وكذلك الزَّلاَقَةُ. وقوله تعالى (فُتْصِبحَ صَعِيداً زَلَقاً) أي أَرْضاً مَلْسَاءَ ليسَ بِها شَيْءٌ والتَّزَلُّج التَّزَلُّق

 فكيف يجعلونه ينزلق ويتزحلق بأنظارهم؟ ما هذا المعنى الغريب؟ هي نيولوجيزم. واضطراب اللفظ المقلوب هو نيولوجيزم. حيث يستخدم المريض الألفاظ استخداما غير طبيعي

 الحقيقة أن الشخص السليم لا يقول أن الناس تستطيع أن تجعل الآخرين ينزلقون فقط بابصارهم. لكن الشخص المضطرب الذهاني قد يقول ذلك كتفكير سحري. أو كمعنى مقلوب لمشهد هلوسي. فالساجع قد يبحلق نظره فيهم لدرجة أنه لا يركز على طريقة فينزلق. وبدل أن يصور المشهد بشكل صحيح فيقول أنهم أخذوا منه كل التركيز البصري حتى أنه لم ير الطريق وانزلق قال أنهم هم من أزلقوه بأبصارهم.

لاحظ أنه لم ينزلق تماما بل كاد أن ينزلق. وهذا يتماشى مع شخص أمعن النظر في أناس أمامه ولم ينتبه للطريق فكاد أن ينزلق لولا رد الفعل العصبي المنعكس الذي يحدث في مثل هذه الأمور.

 

شارك في إحصائية اللادينيين

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: