light trails on highway at night

حقيقة أم تجني – الشذوذ اللغوي في القرآن-5


لم يقدم الكهنوت طوال عمره إجابة جدية واحدة حول سبب احتياج القرآن للتأويل والتفسير. ولم يوضح لماذا وردت فيه كلمات لا معنى لها مثل كهيعص وطسم وضيزى وأبَّا, وعبارات فارغة لا تعطي أي مفهوم, ومقاطع مبهمة غامضة تحتاج للكثير من الجمل التقديرية والعبارات الافتراضية لتفسيرها.

لم يقدم الكهنوت إجابات عن هذه ليس فقط للمشككين في صحة نسبة تأليفه لكائن خفي خارق أو وثنخاف بمصطلحاتنا نحن اللادينيين, بل حتى لأتباعه. اكتفى بالقول أنها إما لحكمة إلهية أو أنها بلاغة فوق مستوى فهمهم أو أنها تحدي ومراوغات أخرى من هذا القبيل.

لم يتساءلوا قط لماذا احتاجت سجعيات وصفت أنها بلسان عربي مبين وأنها أحكمت وفصلت للتفسير والتأويل. ولم يواجهوا أنفسهم قط بالحقيقة: لا هي لسان مبين ولا أحكمت ولا فصلت.

يحق لنا في هذا الموقع أن ندعي شرف السبق لطرق باب هذا السؤال العتيق وفك شفرات الشذوذ اللغوي في النص الكهنوتي.

وكما عودناكم, في الأمثلة العملية يكمن الفهم الصحيح. وسنورد هنا بعض الأمثلة كالعادة.

لا عوج له

لنبدأ بهذه السجعية

﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ. وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمسا ﴾ [طه: 108]

وقبل أن نغوص في غياهب تشوهها نطلعكم على تفسير الكهنوت لها.

«تفسير الطبري» (18/ 373 ط التربية والتراث):

«يقول تعالى ذكره: يومئذ يتبع الناس صوت داعي الله الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، فيحشرهم إليه (لا عِوَجَ لَهُ) يقول: لا عوج لهم عنه ولا انحراف، ولكنهم سراعا إليه ينحشرون. لا عوج له معناها: لا عوج لهم عنه، لأن معنى الكلام ما ذكرنا من أنه لا يعوجون له ولا عنه، ولكنهم يؤمونه ويأتونه، كما يقال في الكلام: دعاني فلان دعوة لا عوج لي عنها: أي لا أعوج عنها»

اعتقد أن الصورة اتضحت لكم. لا عوج له عبارة غير صحيحة. وبدل أن يقول الكهنوت أنها غير صحيحة وأن العبارة الأصح هي “لا عوج لهم” وليس لا عوج له, خادعوا أتباعهم وأنفسهم فقالوا ببساطة لا عوج له تعني لا عوج لهم عنه.

وأكثر من استخفافهم بذكاء أتباعهم لم يسألوا أنفسهم لماذا الله الفصيح البليغ قال لا عوج له وهي خاطئة ولم يقل العبارة الصحيحة لا عوج لهم عنه. ولو وردت هذه العبارة في بيت شعر أو كلام شخص آخر لأوسعوه نقدا وسخرية.

لقد هوجم المتنبي على بيت في غاية البلاغة حين قال:

وضاقت الأرض حتى صار هاربهم ** إذا رأى غير شيء ظنه رجلا

فقط لأنه قال رأى غير شيء وغير الشيء لا يرى على حد رأيهم. بينما تم التغاضي عما هو أشد اضطرابا في سجعيات القرآن خوف العقاب وتحت تأثير وهم الإله الساجع.

الخلل في العبارة أن الضمير في قوله لا عوج له يبدو ظاهريا أنه يعود على الداعي. والداعي هو الصوت. والصوت في الجملة لا يقبل أن يقال عنه لا عوج له. هناك صوت وهم يتبعونه. إذا كان هناك عوج ليتم نفيه فهو لهم عن مصدر الصوت الذي يتبعونه.

لكن الحقيقة أن الضمير في لا عوج له عبارة عما يسمى في الطب النفسي المؤشرات المرجعية المضطربة. فهو يعود على شيء مبهم من ضلالات وهذيانات الساجع. يظهر جليا أنه يشير إلى سبيل ما. هذا الطريق توارد إلى ذهنه من الصورة الهلوسية التي يشاهدها, طريق يسلكوه اتباعا للداعي وهو مستقيم غير معوج. لكنه بسبب اضطراب إذاعة الافكار فشل في ذكره وتوضيح ما يقصد واعتقد أن المستمع يعرف ذلك ما دام هو يراه فهو لا يدرك أن ما يراه ليست سوى مشاهد هلوسية. هذه هي علامة إذاعة الافكار وهي تفسر الكثير من القصص المبتورة في القرآن.

ساهم في ظهور عبارة لا عوج له ظاهرة الالتصاق. وهي نوع من أنواع الشذوذ اللغوي في الذهان. حيث يكرر المريض كلمة ما أو عبارة ما وردت سابقا حيث لم تعد لها أية حاجة. وذلك لأن لفظة عوج كانت قد ظهرت حيث قال في السجعية التي تسبقها

﴿لَّا تَرَى فِيهَا عِوَجا وَلَآ أَمْتَا ﴾ [طه: 107]

والتصقت عوج في تدفق أفكاره ولذلك عندما رأى المشهد الهلوسي وهم يتبعون الداعي وأراد أن يصفه قفزت لا عوج له أمامه فهي ما زالت طازجة لم تخفت بعد

لكن مؤسسة الكهنوت ببساطة جلبت العبارة الصحيحة وقالت أنها تفسير العبارة القرآنية. قدمت العبارة الخاطئة على أنها صحيحة وبليغة وفصيحة وقدمت العبارة الصحيحة على أنها تأويلها وليس تصحيحها. قالوا لهم ببساطة: لا عوج له تعني لا عوج لهم عنه. هكذا ببساطة

سنورد التعريف العلمي للالتصاق واضطراب المؤشرات المرجعية نهاية المقال لمن أراد أن يعرف أكثر

يستترون

وإليكم مثالا آخر

﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيكُم سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِنْ ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرا مِمَّا تَعمَلُونْ ﴾ [فصلت: 22]

واختلف المفسرون وانطلقوا يخمنون. ولم يسألوا أنفسهم مرة أخرى لماذا يؤلف الله كلاما غامضا غير واضح. ولم يجيبوا على السؤال العتيق: ما سبب وجود هذا الغموض.

يقول الطبري

«تفسير الطبري» (21/ 453 ط التربية والتراث):

«واختلف أهل التأويل في معنى قوله: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ) قال مجاهد: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ) : تتقون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كنتم تظنون.»

بينما تمسك البعض بدلالتها المعروفة وقالوا أن معناه فعلا تستترون أي تستخفون ثم أقحموا عشر كلمات تقديرية للترقيع. تأملوا ما أورده الطبري عنهم

وما كنتم تَستَخْفُون، فتتركوا ركوب محارم الله في الدنيا حذرا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم اليوم

هل لاحظتم كمية الأقواس المفتوحة والعبارات الترقيعية المقحمة في التأويل الأخير؟. كأنهم يقولون هي هكذا سواء أعجبكم أم لم يعجبكم. مع أن المعنى يصبح ركيكا ومضطربا: وما كنتم تستخفون( فتتركوا ارتكاب المحارم) (حذرا) (من أن) يشهد عليكم سمعكم الخ

هؤلاء ايضا لم يتساءلوا يوما لماذا يحتاج كلام قيل عنه قمة البلاغة وهرم الفصاحة كل هذا الكم من الأقواس والعبارات الدخيلة الترقيعية

لكن ما هو جواب السؤال؟ لماذا قال محمد تستترون في موقع غريب الأطوار كهذا؟ هل كونه مذهونا كما نؤكد في موقعنا هذا يفسر ذلك؟

نعم وبسهولة.

ذلك يعود لاضطراب لغوي ذهاني يؤدي لمثل هذا الشذوذ ويسمى بالتمهيد. تقول الدراسات أن التمهيد هو عملية عصبية حيث يعمد الدماغ عند ورود كلمة معينة إلى تسهيل الوصول إلى الكلمات الأخرى المتعلقة بها وجلبها إلى حافة الذاكرة بحيث يكون الوصول لها أسهل من غيرها. فمثلا ورود كلمة غزال تسهل الوصول إلى غابة وأسد وصيد ومرعى وهكذا. ومثل ذلك الكلمات ومرادفاتها والكلمات ونقائضها. فمثلا ضياء وظلام وليل ونهار وهكذا.

ولو رجعنا للسجعيات التي تسبق سجعية يستترون فنعرف كيف انزلقت على لسان محمد. محمد كانوا يقصد تظنون كما استنتج ذلك المفسرون بسهولة. وقالوا ببساطة معنى ما كنتم تستترون هو ما كنتم تظنون. بدل أن يقولوا أن عبارة ما كنتم تستترون شاذة وأن الأصح هو أن يقول ما كنتم تظنون

حَتَّى إِذَا مَا جاؤوها شَهِدَ عَلَيهِم سَمعُهُم وَأَبصارُهُم وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ. وَقَالُواْ لِجُلُودِهِم لِمَ شَهِدتُّم عَلَينَا, قَالُواْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيء, وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ. وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ…. 

شهد تعني شاهد ورأى وأخبر بذلك. وهي عكس أخفى وستر وكتم. دلالة ومقابلها. مرتبطتان بالعكسية. وهكذا ورود كلمة شهد جلب كلمة ستر. وعلى عكس الإنسان السليم الذي يستطيع اختيار اللفظة الأنسب ويكبح غير المناسب, المذهون لا يستطيع دائما فعل ذلك فتنزلق الكلمة على لسانه دون أن يدرك الخلل.

شرح العلامات السابقة

انقر هنا للمزيد عن شذوذ الالتصاق

انقر هنا للمزيد عن شذوذ المؤشرات المرجعية

يشير التحضير أو التمهيد ، في سياق الشذوذ اللغوي في الذهان ، إلى اضطراب العملية المعرفية حيث يؤثر التعرض للفظة أو عبارة معينة على تدفق كلمات أخرى معينة .
في الأفراد المصابين بالذهان ، يمكن أن يظهر هذا بطرق مختلفة منها

التمهيد الدلالي: التعرض لكلمة أو عبارة معينة يسهل معالجة المفاهيم ذات الصلة بها. على سبيل المثال ، إذا تم إعداد شخص ما بكلمة “طبيب” ، فقد يستجيب بسرعة أكبر لكلمات مثل “مستشفى” أو “علاج”. في الذهان ، يمكن أن يؤدي هذا إلى أنماط كلام أو تفكير غير منظمة ، حيث يقفز المذهون بين الأفكار ذات الصلة الفضفاضة , ويأتي بعبارات لا حاجة لها أو لا صلة منطقية لها بالمعنى المراد.

التحضير المعجمي: يتضمن ذلك تنشيط كلمات أو عبارات محددة بناء على التعرض السابق لكلمات مرتبطة بها. في الاضطرابات الذهانية ، قد يظهر الأفراد ارتباطات غير عادية أو يختارون كلمات غير متوقعة ، والتي يمكن إرجاعها إلى التعرض لألفاظ تخفيزية سابقة.
التحضير السياقي: يمكن أن يؤثر السياق الذي تستخدم فيه اللغة على الفهم والاستجابة. في الذهان ، قد يتغير تفسير الشخص للسياق ، مما يؤدي إلى سوء التواصل أو الاستجابات غير المناسبة.

تمهد المتضادات لبعضها وتتأثر المتضادات بالعديد من العمليات المعرفية واللغوية ويمكن أن نجد في المذهونيين العديد من أنواع الشذوذ مثل الارتباك الدلالي واضطراب التحضير الترابطي وسوء التفسير السياقي

الارتباك الدلالي: قد يواجه الأفراد المصابون بالذهان صعوبات تمييزية. يمكن أن يؤدي هذا إلى الاستخدام غير الصحيح للكلمات ، حيث يمكن استخدام لفظة ما بدلا من نقيضها, أو قد ترد في مكان غير مكانها بسبب تحفيزها مسبقا باللفظة المناقضة، مما يعكس انهيارا في المعالجة الدلالية والتنظيم المعرفي


التحضير الترابطي: يشير مفهوم التحضير الترابطي إلى أن التعرض لكلمة واحدة يمكن أن يؤثر على الاستجابة للكلمات المرتبطة بها بدلالة عكسية. في الذهان ، قد لا تعمل هذه العملية كما هو متوقع ، مما يؤدي إلى إنتاج لغة لا تتوافق مع الارتباطات النموذجية. على سبيل المثال ، قد يضيع التباين المتوقع بين “شهد” و “أخفى” ، مما يؤدي إلى أنماط كلام غير منظمة [المصدر]
سوء التفسير السياقي: قد يسيء الأفراد المصابون بالذهان تفسير السياق الذي يتم فيه استخدام المتضادات. يمكن أن يؤدي هذا إلى ردود فعل غير مناسبة أو غير منطقية ، حيث قد يضعف فهمهم للإشارات الظرفية التي تملي استخدام هذه الكلمات [المصدر].
الكلام غير المنظم: الكلام غير المنظم هو السمة المميزة للذهان ويمكن أن يظهر في استخدام المتضادات بطرق غير منطقية أو عشوائية. يعكس هذا اضطرابا معرفيا أوسع نطاقا ، حيث يكافح الفرد لبناء أفكار أو روايات متماسكة ، مما يؤدي إلى الارتباك في استخدام اللغة .


التبرع للموقع

يعتمد هذا الموقع على الإنفاق الذاتي وعلى تبرعات المتابعين. تستخدم النفقات لتغطية تكاليف استضافة الموقع ورسوم الدومين وعمليات الصيانة وأجور المبرمجين للتطبيقات الشبكية ومقابل الاستشارات العلمية. إذا أحببت اضغط على الزر أدناه للتبرع عبر باي بال أو بطاقة الاعتماد


Donate Button with Credit Cards


قناتنا على اليوتيوب



ملاحظة : الوثنخاف مصطلح لتسمية الإله الإبراهيمي. ويتكون من شقين الأول وثن وتعني كائن تخيلي يتم افتراضه وتخيله ثم اقناع النفس بوجوده. وهو كائن أخرس ابكم أطرش اصم لا يستطيع أن يقول حتى كلمة بم. والشق الثاني خفي. وتعني غير مرئي وذلك لتمييزه عن الأوثان المرئية مثل هبل والعزي ومناة الثالثة الأخرى

تعريف النبي : في الدين النبي هو شخص يسمع أصواتا لا يسمعها أي شخص طبيعي آخر حتى لو تواجد معه وقتها. ويرى اشياء لا يراها أي شخص طبيعي حتى لو تواجد معه وقتها. ويعتقد أنه المصطفى الذي يصلي عليه الله والملائكة. وهذا التعريف الديني للنبي يتوافق تماما مع التعريف الطبي للاضطراب الذهاني

شارك الآن إن لم تكن قد فعلت من قبل في إحصائية اللادينيين

إحصائية اللادينيين في الموقع

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.