النجم الطارق – بين العلم والكهانة

النجم الطارق عبارة انتشرت في معابد الكهنة حتى قبل ظهور محمد . قالت الزبراء كاهنة خويلة : والليل الغاسق والنجم الطارق والمزن الوادق  إن شجر الوادي ليأدو ختلا ، وإن صخر الطود لينذر ثكلا (المصدر : سيرة ابن هشام) –

لاحظوا تطابق طريقتها في السجع مع طريقة الساجع المكية: لا اقسم  بالشفق والقمر اذا اتسق لتركبن طبقا عن طبق وقال لبيد بن ربيعة

وبالفُورَة ِ الحَرَّابُ ذو الفَضْلِ عامِرٌ … فَنِعْمَ ضِياءُ الطّارِقِ المُتَنَوِّرِ.

نفس العبارة التي وردت في سجعيات الكهنوت

واحد من أهم الاكتشافات في القرن العشرين حصل في نهاية الستينات عندما اكتشف جاسلين بيل نجما يغير شدة إضائته  مرة كل 1.33 ثانية.

بعد ذلك توالى اكتشاف عدد من النجوم المماثلة. نجوم تتغير شدة إضائتها بشكل دراماتيكي وبترددات عالية وسرعات كبيرة.

تبين فيما بعد أن هذه النجوم ليست نابضة بالمعنى الحقيقي. شدة إضائتها الداخلية لا تتغير إنما رصدنا لنا هو الذي يجعلها تبدو كذلك.

لكنها نجوم يمكنها أن تدور ألف مرة في الثانية الواحدة.

هذه النجوم كثيفة جدا لدرجة أن حجم ملعقة صغيرة منها يساوي وزن ملايين من الأفيال الافريقية الناضجة.

ولهذه النجوم حقول جاذبية كبيرة جدا تمنعها من التفتت لأجزاء صغيرة نتيجة سرعتها العالية.

وتغير شدة إضائتها يحدث بظاهرة مماثلة للفنار الذي يعمل لهداية السفن.

هذه النجوم تصدر أشعة في جميع الأطوال الموجية. اكس راي. ضوء مرئي. ضوء غير مرئي .اشعة رادوية. اشعة جاما. الخ

دلس الكهنوت على أن الاشعة الرادوية هي صوت بينما هي في الحقيقة فوتونات ضوئية تختلف عن الضوء المرئي فقط بطولها الموجي وترددها. ظنوا جهلا أو عمدا  أن تشابه الاسم مع كلمة راديو يعني أنها صوت.

دعونا الآن نمضي خطوة خطوة في عملية تحليل علمي لما يفعله العلماء.

توفر الكثير من المراصد إمكانية تحليل الكون لمن يريد عن طريق مراصد افتراضية الكترونية تأخذ المعلومات من المراصد الحقيقية مثل مرصد تشاندرا.

سنستعين بهذا الموقع من جامعة روتجرز:

يقدم الموقع برنامج دي اس 9 لتحليل الاشعة المرصودة وقائمة طويلة من مصادر الضوء في نطاق الاكس راي المرصودة.

سنحلل أحد هذه المصادر وهو نظام ثنائي لنجم نيوتروني تم اكتشافه قبل حوالي 34 سنة من الآن.

Cen X-3

سنرى خطوة خطوة كيف نثبت علميا أن سين اكس 3 هو نظام ثنائي

نبدأ الاثبات الرياضي من تحليل طيف الاشعة السينية المرصودة عن طريق تشاندرا.

صورة الأشعة السينية من مرصد تشاندرا تظهر سين اكس 3 كما في الصورةالتالية

1

وفي التلسكوب الضوئي من مرصد دي اس اس ساو كما في الصورة التالية:

2

وباستخدام برنامج دي اس 9 الذي يقدمه الموقع مجانا سنقوم بتحليل المعلومات التي تحملها لنا الاشعة ويرصدها لنا تشاندرا ساتلايت. وسنرى كيف يقوم العلم بجمع الأجزاء المختلفة من المعلومات للوصول إلى فهم دقيق لطبيعة هذه النجوم.

لنبدأ تحليلنا بالحصول برسم منحنى الضوء للأشعة القادمة

Light curve

النتيجة توضحها الصورة التالية

3

يظهر تنوع شديد جدا وهائل لحزم الفوتونات المرصودة من حوالي 250 في الثانية الى اكثر من الف في الثانية.

هذا التأرجح الكبير في شدة الإضاءة ليس شيئا تراه العين المجردة بل هو نتيجة حسابات رياضية تحليلية لرسم دالة الفوتونات المرصودة كدالة للزمن.

وتظهر لدينا منطقة بطول 40000 ثانية على محور الزمن (السينات) لا يوجد فيها أي رصد للأشعة.

ومن بيانات أخرى يتبين ان هذا النمط يتكرر بشكل دقيق كل 2.09 يوم. سين اكس 3 يختفي في الاشعة  كل 2.09 يوم لمدة حوالي 40000 ثانية.

ولنرى بوضوح التنوع الزمني والتردد للأشعة نجري تحليل قوة الطيف 

Power spectrum

النتيجة تظهر في الصورة التالية :

4

يبدو في رسم الطيف أن تردد الأشعة القادمة في أحد نطاقات الترددات المرصودة  يتمحور حول 0.207 هرتز. ويمتد من 0.2068 إلى 0.2074

وإذا قمنا باسنخدام التردد وحسبنا زمن الدورة الكاملة نجد مدتين مختلفتين:

P = (1/f)

الأولى تساوي 4.836 ثانية . والثانية تساوي 4.822 ثانية.

 إذن لدينا مصدر ضوء يغير تردد إشعاعه بانسياب بشكل دوري .

الآن يمكننا وضع صورة متماسكة لهذا النظام: جسم يصدر اشعة ضوئية عالية التردد يدور حول نفسه كل 4.8 ثانية ويسير في مدار حول جسم آخر يكمله كل 2.09 يوم. ماذا نستنتج؟.

إنه نظام ثنائي نظام ثنائي

لكن ما هي هذه الأجسام؟ وماذا تعني الدورة كل 4.8 ثانية؟؟

 دعونا نشمر عن سواعدنا ونعود للعمل

يبدو أن الدورية التي تظهر بوضوح في نظامنا تتعلق بظاهرة الدوبلر.

Delta_f/f

=

v/c

f التردد

V السرعة

 سرعة الضوءC

وبالتعويض بالقيم التي حصلنا عليها وحل المعادلة   نجد أن السرعة تساوي 430 كم في الثانية.

وبما أن المدار دائري ونحن الآن نعرف السرعة 430 كم في الثانية والمدة 2.09 يوم فإننا نستطيع أن نحسب نصف قطر المدار

المسافة المقطوعة في المدار = محيط المدار = 2 * پاي* نصف القطر = السرعة * الزمن

نصف قطر المدار = (السرعة * الزمن) ÷ (2 * باي)

وبالتعويض نجد ان نصف قطر المدار = 1.2 * 10^7 كم

أي 12 مليون كيلومتر

هذا يساوي تقريبا ربع نصف قطرمدار عطارد حول الشمس

إنهما قريبان جدا من بعضهما

الجسمان يقتربان بشكل كبير من بعضهما

الآن نستطيع أن نفعل شيئا عبقريا. بما أن الاشعة تختفي لمدة 40000 ثانية. هذا يعني أن الجسم الذي في المركز يقع بيننا وبين الجسم الذي يدورفيحجب عنا أشعته. وهذا يمكننا من قياس قطر الجسم الذي في مركز النظام الثنائي

إنه يساوي تقريبا سرعة الجسم الدائر في فترة كسوف الاشعة

40000 * 430 = 1.7 * 10^7

أي (سبعة عشر مليون كيلومتر)

هذا تقريب خطي لطول قوس دائرة. وهو تقريب لطول قطر نجمنا المركزي في النظام. ويعطينا نصف قطر يساوي 8.5 مليون كم.

الآن نستطيع أن نستنتج أن النجم المرافق في نظامنا الثنائي هذا كبير الحجم وشديد الكثافة. نستطيع أن نحسب ذلك.

طبقا لقانون كيبلر الثالث:

مربع زمن الدورة =( 4 * پاي اس 2 * مكعب نصف قطر المدار) ÷ (ثابت الجاذبية * كتلة الجسم المركزي)

المجهول الوحيد في المعادلة هو الكتلة وباجراء الحساب الرياضي نجد أنها تساوي 3 * 10^31 كم. حوالي 15 مرة قدر كتلة الشمس.

المعلومات تتوافق مع جسم كثيف يدور حول نجم مركزي شديد الكثافة ايضا.

هل يمكنه أن يكون قزما ابيضا؟؟

القزم الأبيض عبارة عن نجم في مرحلة متقدمة من حياته صغير الحجم بقطر يعادل قطر الأرض.

سرعة دوران القزم الأبيض في مداره حول نفسه = (2*باي*نق) ÷ الزمن

ونصف قطر القزم الأبيض يعادل نصف قطر الأرض أي حوالي 6 آلاف كيلومتر.والزمن كما راينا من تحليل طيف القدرة الضوئية حوالي 4.8 ثانية.

وبعملية رياضية بسيطة نجد أن سرعة دورانه حول نفسه هي 8 مليون متر في الثانية.

هذه سرعة عالية جدا للدوران. دعونا نحسب عجلة الطرد المركزي. التي تساوي مربع السرعة على نصف القطر.

نجدها تساوي تقريبا 10 مليون متر في الثانية في الثانية(م / مربع الثانية)

هذه عجلة هائلة. ما الذي يمنع هذا النجم من الإفلات من مداره والطيران بعيدا؟ ومالذي يحافظ على كتلته متماسكة؟

هل تستطيع الجاذبية القيام بهذه المهمة؟؟

دعونا نحسب قيمة الجاذبية نحو مركز كتلة الجسم المركزي التي حسبناها سابقا بـ 15 شمس. عجلة الجاذبية = (ثابت الجاذبية * الكتلة )÷ مربع نصف القطر.

وبادخال القيم نجدها تساوي 4 مليون متر / مربع الثانية. أقل من نصف عجلة الدوران. لا تكفي لابقائه في مداره.هذه قيمة لا يمكنها منعه من الطيران بعيدا والافلات.

فما الذي يبقيه في مداره إذن؟

كيف يظل القزم الأبيض الذي يدور بسرعة عالية وعجلة طرد مركزي عالي تفوق عجلة الجاذبية نحو كتلة النجم المركزي؟

يبدو أن ما لدينا شيء آخر.القزم الأبيض لا يتوافق.

لحسن الحظ حتى قبل اكتشاف جاسيلين بيل كان لدى العلم فكرة كافية عما يمكن أن يكون الحل؟

النجوم النيوترينية. هذه القصة بدأت في الحقيقة مع عالم عبقري هندي الأصل اسمه تشاندرا ساخار. الذي سمي تشاندرا ستلايت باسمه.

في عمر الـ 19 اكتشف تشاندرا أن هناك حد معين لحجم القزم الأبيض. لن ادخل في تفاصيل القزم الأبيض هنا ولكي تفهموا عليكم البحث بأنفسكم

اكتشاف تشاندرا تقول أنه إذا بلغت كتلة القزم الأبيض اكثر من 1.4 * كتلة الشمس فإنه لن يتمكن من الحفاظ على حجمه وسينهار على بعضه.سينكمش ولا خيار لديه

الطاقة التي تولدها الجاذبية تصبح أكبر من الطاقة التي تتولد داخل النجم من التفاعلات النووية

بعد سنوات تبلورت فكرة النجوم النيوترينية. إذا انكمش القزم الأبيض فإن الالكترونات ستذهب أولا وستتكون من نواة ضخمة. الالكترونات والبروتونات ستكون نيوترونات. وهكذا تتضح الصورة. بفقدان المساحات الواسعة بين النواة والالكترونات فإن الكثافة ستزيد بشكل لا يتصور.( إن حجم ملعقة صغيرة من هذا النجم سيحتوي كتلة تساوي 5*10^11 كجم. ) هذه كتلة تعادل 100 مليون فيل افريقي. كلها في ملعقة شاي صغيرة.

لكن كيف يحل هذا مشكلتنا مع سين اكس 3؟

النجم النيوتريني نجم منكمش على ذاته ونصف قطره لا يتعدى عشرة كيلومترات بعد حساب الحجم لنواة مكونة فقط من نيوترونات وتفتقد المساحة الإضافية للالكترونات. هل سيحل هذا المشكلة؟ دعونا نجري حساباتنا.

دعونا نرى ما إذا كان لدينا نجمان نيوترينيان بكتلة الشمس بزمن دوران 4.8 ثانية يحققان قوة جذب كافية.

السرعة بنصف قطر يساوي عشرة كيلومترات وزمن 4.8 ثانية سوف تساوي :

13000 متر في الثانية.

وعليه تصبح عجلة الطرد المركزي 1.7 * 10^4 متر في الثانية في الثانية (17 كم / مربع الثانية)

ونعيد حساب عجلة الجاذبية حسب المعطيات الجديدة لكتلة تبلغ ضعفي كتلة الشمس ونجدها تساوي 2.7 * 10^12 متر/مربع الثانية.

لقد حلت المشكلة. إنها أكبر بمائة مليون مرة.

عجلة الجذب أعلى بكثير من العجلة التي تحاول أن تجعله يفلت ويطير بعيدا. لو اسقطت جسما على بعد متر واحد من السطح فسوف يصل في اقل من جزء من المليون من الثانية وبسرعة تعادل 3000 كم في الثانية. شيء خيالي

إذن ما الذي يولد ظاهرة التأرجح الإشعاعي أو النبض على حافة النجوم النيوترينية؟

المادة من النجم المرافق يتم تركيزها بالمجال المغناطيسي للنجم النيوتريني وتحت تاثير حقل الجاذبية الخارق تسخن الغازات إلى درجات حرارة هائلة جدا وعندما يتوافق محور الدوران مع المجال المغناطيسي فإن هذا كاف ليولد إشعاعا قويا كل 4.8 ثانية.

قطبا المجال المغناطيسي يصبحان نقاط ساخنة لتوليد كمية هائلة من الأشعة نتيجة للكمية الهائلة لطاقة الجاذبية التي يمكن تحويلها إلى ضوء.

يمكنك عزيزي القارئ رؤية نمذجة كمبيوترية لطريقة وصول الأشعة إلينا في الصورة المتحركة أدناه

.

النجم النيوتريني. تغير شدة الضوء الذي نرصده هي التي يرقعها الكهنوت بانها مطرقة

لاحظ عند توافق مجال الاشعاع مع زاوية الراصد فإن الضوء يتضاعف. هذا ما يقوم العلماء بتشبيهه بلغة بسيطة للعامة فيشبه بتصفيق اليد أو نبض القلب أو بقطعتي خشب تضربان بعضهما أو مطرقتين تضربان بعضهما.

لاحظ أيضا أنه لا يوجد في الحقيقة أي تغير داخلي او أي نبض إشعاعي داخلي للنجم لكن ذلك يظهر لنا بسبب زاوية الرصد وتوافقها مع مجال الاشعاع الموجه بالمجال المغناطيسي.

وهذا ما لعب عليه الكهنوت مستغلا جهل العامة بهذه الحقائق فأوهموهم أن المرصود هو صوت واستغلوا تشابه كلمة موجات الضوء الرادوية مع كلمة راديو ودسوا دجلهم وتدليسهم. بينما المرصود هو فوتونات ضوئية والنتيجة التي تم التوصل إليها كانت عملية رياضية بحتة

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: