الله الفرضية الفاشلة – الفصل الثاني
هذا المقال مبني على كتاب العالم الفيزيائي الشهير فيكتور ج. ستينجر: الله الفرضية الفاشلة – كيف يوضح العلم أن الله لا وجود له.
هل يستطيع العلم اختبار وجود الله؟
إذا كان الله موجوداً، فأين هو؟ السؤال بسيط، وأعتقد أن له جواباً بسيطاً. يدّعي عبدة الوثنخاف أن إلههم يقرر كل حدث في الكون، وأن طبيعة الله غير المنظورة يمكن إدراكها في الأشياء التي خُلقت. وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي أن يكون الدليل سهل العثور عليه، لا بأعيننا وآذاننا فحسب، بل بأكثر أجهزتنا العلمية حساسية. ويجب أن يؤخذ هذا الادعاء على محمل الجد، ونبحث عن الله في الأشياء التي خُلقت.
حجة غياب الدليل
صاغ الفيلسوف ثيودور درانج هذه الفكرة صياغة رسمية. فمن المحتمل أنه لو كان الله موجوداً لوُجد دليل موضوعي جيد على وجوده. لكنه لا يوجد دليل كهذا. إذن، الاحتمال الارجح ألا يكون الله موجوداً.
والرد المعتاد من قبل الكهنوت عموما هو أن الله قد يختار ألا يكشف عن نفسه بالأدلة الموضوعية، وأن يزرع المعرفة به مباشرة في العقول البشرية. لكن إلهاً يفعل ذلك يصعب وصفه بأنه إله، لأن كثيراً من غير المؤمنين الصادقين لم يقاوموا الإيمان قط، ومع ذلك لا يؤمنون. ووجودهم يشهد ضد مثل هذا الإله. وقد عانى الكهنوتيون من مشكلة احتجاب الله هذه تقريباً بقدر معاناتهم من مشكلة الشر، وسأعود إلى كلتيهما. وإذا تركنا التخمين في نوايا كائن مطلق الحكمة، فإن إلهاً يتدخل في العالم ينبغي أن يترك آثاراً يمكن رصدها.
ما الذي يُعدّ دليلاً؟
ليست كل الادعاءات متساوية. فالقول إن جرعة منخفضة يومية من الأسبرين تقلل خطر النوبات القلبية ادعاء عادي، لأن بإمكاننا الإشارة إلى آلية معقولة: تخفيف طفيف لكثافة الدم. أما القول إن الأسبرين يشفي الإيدز فسيكون ادعاءً استثنائياً، ومن حقنا عندئذٍ أن نطالب ببيانات أكثر بكثير. والادعاء بوجود كائن خارق للطبيعة يقع في الفئة الثانية.
لتوضيح الفكرة لنتأمل القصص المتكررة المألوفة عن ادعاء أن حلما تحقق. هذه القصص توحي بقدرة للعقل البشري تتجاوز ما نعرفه من الفيزياء. لكن الحقيقة أن ملايين الأحلام لا تتحقق، ولا أحد يروي تلك القصص. وقبل قبول أي أمر غير عادي، يجب أن نستبعد الانتقاء بمحض المصادفة. وهذا هو غرض المنهج العلمي.
بفحص عدد كبير من هذه القصص عن الاحلام التي تحققت, لم يوجد حلم واحد تم توثيقه قبل حدوث ما زعم أنه شوهد في الحلم. كل ادعاءات هذه الأحلام تمت بعد. يحدث الحدث أولا ثم يظهر شخص ما ويقول لقد رأيته في الحلم منذ كذا وكذا.
لم يحدث أن شخصا أخبر الناس وقال لقد رأيت في الحلم كذا وكذا ثم انتظر الناس وراقبوا الوضع ثم حدث ما قال. وهذا يوضح خطورة التصديق الأعمى والإيمان بالغيب
للمنهج العلمي خمسة شروط تكفي لتقييم الادعاءات التجريبية الاستثنائية:
- بروتوكولات واضحة لا تشوبها شائبة. على الباحثين، لا على المراجعين، أن يحددوا كل مصدر محتمل للخطأ، سواء كان انحيازاً منهجياً أو تقلباً إحصائياً. وعليهم أن يبيّنوا كيف قُلّل كل منها وأن يقدّروا حجمه. ولا يجوز الادعاء بوجود تأثير جديد ما لم تكن الأخطاء أصغر من أن تفسره.
- الأهداف المطلوبة تُحدَّد مسبقاً. يجب أن تُصاغ الفرضيات قبل بدء جمع البيانات، وألا تُغيَّر بعد الاطلاع على النتائج. فتغيير الفرضية لتوافق مفاجأة مثيرة يشبه رسم دائرة الهدف حول المكان الذي سقط فيه السهم. يمكن للملاحظات الاستكشافية أن توحي بفرضيات جديدة، لكن هذه الفرضيات يجب أن تُختبر بعد ذلك اختباراً مستقلاً.
- عدم الحكم المسبق. يأمل الباحثون عادةً في اكتشاف مذهل، وهذا الأمل يغريهم بمواصلة التنقيب في البيانات حتى يظهر شيء ما. وتحمي من ذلك تقنيات مثل التعمية. ففي دراسة عن الصلاة مثلاً، ينبغي ألا يعرف الباحثون من يُصلّى لأجله ولا من يصلّي، إلى أن تكتمل البيانات كلها.
فلكي يبرهن الكهنوت أن الله يستجيب الدعاء مثلا, يجب أن تكون هناك مجموعة تدعو الله ومجموعة تدعو كريشنا أو لا تدعوا بشيء ويتم المقارنة بينهما ونرى هل فعلا هناك فرق في تحقيق ما تم الدعاء لأجله بين الطرفين؟ إذا لم يكن هناك فرق فالنتيجة واضحة: الادعاء باستجابة الله للدعاء ادعاء كاذب.
- قابلية التفنيد. يجب أن تحمل الفرضية بذور فنائها. وعلى من يطرحونها أن يحددوا النتائج التي تدحضها، وأن يبيّنوا أن هذه النتائج لم تحدث. والفرضية التي لا يمكن تفنيدها لا قيمة لها. وعلى من ادعى وجود الله أن يحدد ما هو الأمر الذي إذا تحقق فإن ادعاء وجود الله غير صحيح. لا ينفع هنا منطق عنزة ولو طارت
- التكرار المستقل. يجب أن يعيد باحثون آخرون، ويفضَّل أن يكونوا متشككين، إنتاج النتائج قبل أن تدخل في صلب المعرفة العلمية.
التفنيد، ولماذا لا يُستثنى الله منه
اقترح كارل بوبر ورودولف كارناب في ثلاثينيات القرن الماضي قابلية التفنيد معياراً للفصل بين العلم وغير العلم. وقد بيّن الفلاسفة منذ ذلك الحين أنها لا تكفي لهذا الغرض. فالتنجيم مثلاً قابل للتفنيد، وقد فُنّد فعلاً، ومع ذلك فهو ليس علماً. ومع ذلك تظل قابلية التفنيد أداة قوية. فحين تقدم فرضية تنبؤاً قابلاً للاختبار وتفشل في الاختبار، يمكننا استبعادها بأمان.
وهنا عدم تناظر: فالفشل في اختبار يكفي لدحض نموذج، لكن اجتياز اختبار لا يكفي لإثباته، لأن نموذجاً منافساً قد يفسر النتائج نفسها يوماً ما. وحين يفشل نموذج ثم يُعدَّل ليجتاز المحاولة الثانية، فقد صار نموذجاً جديداً، وبقي القديم مفنَّداً. وفي أربعين عاماً من البحث في فيزياء الجسيمات والفيزياء الفلكية، رأيت نماذج كثيرة مقترحة تسقط بهذه الطريقة.
رأى بوبر أن «العبارات الوجودية الصرفة»، مثل الادعاء بأن هناك في مكان ما من الكون لؤلؤة أكبر بعشر مرات من أي لؤلؤة أخرى، لا يمكن دحضها، لأن اللؤلؤة قد تظل دائماً مختبئة حيث لا نبحث. وقد يبدو أن وجود الله عبارة من هذا النوع. لكنه ليس كذلك. فإله بعيد في مجرة أخرى يمكن أن يفلت منا فعلاً. لكن إله العبوديين يُفترض أنه في كل مكان، بما في ذلك داخل كل صندوق نختار أن نفتحه. فإذا بحثنا في صندوق واحد بعناية ولم نجده فيه، فلدينا اختبار، ويمكن دحضه.
هل يستطيع العلم دراسة ما فوق الطبيعة؟
الجمود نقيض العلم، وتاريخه من كوبرنيكوس إلى يومنا هذا يشهد بذلك. فالعلم متطلّب، لا مغلق العقل. ومن حاول نشر نتيجة جديدة يعرف كم يتفنن الزملاء في دور محامي الشيطان. وحين يرفض العلماء ادعاءات التصميم الذكي، فإنهم يطبقون المعيار نفسه الذي يطبقونه على أي ادعاء استثنائي. وبصراحة، سيرحب معظم العلماء بميدان دراسة جديد يحظى بتمويل سخي، لو أن الأدلة تبرر ذلك.
بل إن الفرضيات المتعلقة بما فوق الطبيعة تُختبر فعلاً. فقد أجرت مؤسسات مرموقة، منها مايو كلينيك وهارفارد ودوك، دراسات معمّاة عن القدرة العلاجية للصلاة الشفاعية عن بُعد، ونشرتها في مجلات طبية محكَّمة. وبعض هذه الأدبيات رديء، لكن أفضلها يُظهر المنهج العلمي السليم. وإن لم يكن هذا علماً، فلا أعرف ما هو العلم.
يسمى حصر البحث في الملاحظة الموضوعية «الطبيعانية المنهجية». ولا ينبغي الخلط بينها وبين «الطبيعانية الميتافيزيقية»، وهي افتراض أن الواقع مادي فقط. يمكننا استخدام الأولى دون الالتزام بالثانية. وأستطيع بسهولة أن أتخيل نتائج تشير إلى ما وراء الطبيعانية الميتافيزيقية: فلو ظهر دليل مستقل قابل للتكرار وذو دلالة إحصائية على أن صلاة الكاثوليك تشفي الأمراض بينما صلوات الأديان الأخرى لا تفعل، لكان من الصعب جداً تفسير ذلك تفسيراً طبيعياً. فرضية الله قابلة للاختبار والتحقق والتفنيد بالطرق العلمية المعتمدة..
البراهين الفلسفية على الاستحالة
زعم الفلاسفة أيضاً أن بعض الآلهة مستحيلة منطقياً. ويصنفون هذه الحجج إلى أنواع: تعريفية، وقائمة على الشر، وعقائدية، ومتعددة الصفات، وأحادية الصفة. ومن أمثلتها القول إن كائناً كاملاً لا يستطيع أن يخلق كوناً ناقصاً، وإن كائناً متعالياً خارج المكان لا يمكن أن يكون حاضراً في كل مكان، وإن المفارقة القديمة عن الحجر الذي يعجز إله قادر على كل شيء عن رفعه.
لا أذكر هذه الحجج إلا من باب الاكتمال. فاستنتاجاتي لا تعتمد عليها. كما أنها ليست محكمة تماماً في الواقع العملي، لأن بإمكان المرء دائماً الإفلات من حجة منطقية بإعادة تعريف مصطلح أو التخلي عن مقدمة. فيمكن للقارئ مثلاً أن ينكر ببساطة أن الله كلي الخير. ومن يقرأ الكتاب المقدس أو القرآن قراءة حرفية سيجد إلهاً يصعب وصفه بأنه كلي الخير. وهذا تحديداً هو سبب عدم اعتماد حجتي على الصفات المطلقة. وحيثما يدور الجدل الفلسفي في حلقات لا تنتهي بينما يصقل المتخاصمون لغتهم، يقدم العلم مخرجاً: الملاحظة التجريبية حَكَماً أخيراً.
النماذج، ونموذج للإله
يعمل العلم ببناء نماذج، وهي صور مبسطة للملاحظات، ثم باختبارها. ونحن نستخدم النماذج في حياتنا اليومية. فالمسافر الذي يمشي نحو الغرب يستطيع أن يهتدي بالشمس الغاربة دون أي ميتافيزيقا. لقد رأى الإغريق الشمس عربة أبولو، ورآها الصينيون طائراً ذهبياً، لكن أياً من الإضافتين لا يساعد المسافر على الاهتداء، وانتفاء الحاجة إليهما يشهد ضدهما.
تذهب النماذج العلمية أبعد من ذلك، فهي تُكمِّم الملاحظات وتفرض الاتساق بالرياضيات. والنظريات ليست تخمينات فارغة. إنها تكسب مكانتها بالصمود أمام اختبارات كثيرة محفوفة بالمخاطر وبإثبات فائدتها. وهي أيضاً من صنع البشر. فحتى لو تبيّن أن الكواركات، التي لم تُرصد حرة قط، ليست «حقيقية»، فإن نموذج الكوارك ذو فائدة هائلة، تماماً كما تبقى فيزياء نيوتن مفيدة رغم النسبية وميكانيكا الكم. ويمكننا استخدام نموذج دون حسم الميتافيزيقا.
ويمكن معاملة الآلهة بالطريقة نفسها. فكل إله من اختراع البشر، صيغ بمفاهيم بشرية كالحب والخير. فإذا تنبأ نموذج إلهي بنتائج تجريبية لا يفسرها شيء آخر، فسيكون من المعقول أن نستنتج، مبدئياً، أنه يصف جانباً من الواقع. وإذا فشل كما رأينا في مرات لا تحصى، وجب علينا رفض الأجزاء التي سقطت في الاختبارات الصارمة. لنتأمل الأقطاب المغناطيسية المنفردة. توحي النظرية بإمكان وجودها، لكن عقوداً من البحث لم تعثر على أي منها، وكل التطبيقات العملية للكهرومغناطيسية تعمل بدونها. وقد يوجد إله يشبه ذلك القطب الوحيد المنعزل، لا أثر له في أي شيء. ولن يكون هناك أي مبرر لعبادته أو حتى التفكير فيه.
نموذج الإله العلمي
لذلك أعرّف إلهاً قابلاً للاختبار بالصفات التالية:
- هو خالق الكون وحافظه.
- هو مهندس بنية الكون وواضع قوانين الطبيعة.
- يتدخل في مجرى الأحداث متى شاء، حتى لو خرق قوانينه هو، كما في الاستجابة للدعاء مثلاً.
- هو خالق الحياة والإنسانية وحافظهما، والإنسان متميز بين الكائنات الحية.
- وهب البشر أرواحاً غير مادية خالدة مستقلة عن أجسادهم.
- هو مصدر الأخلاق والقيم كالحرية والعدالة والديمقراطية.
- كشف حقائق في الكتب المقدسة، وبالحديث مباشرة إلى أفراد مختارين.
- لا يختبئ عمداً من أي إنسان منفتح على البحث عن دليل عليه.
وقد استبعدتُ العلم المطلق والقدرة المطلقة والخير المطلق. فالمنطق يتكفل أصلاً بهذه الحزمة، ويمكن لإله خالق أن يكون شريراً أو ناقصاً ومع ذلك يظل قابلاً للاختبار بما ينبغي أن يتركه من آثار.
الحجة العامة
الإجراء واضح. افترض إلهاً يؤدي دوراً مهماً في الكون. وافترض أن له صفات ينبغي أن تنتج دليلاً موضوعياً. ثم ابحث عن ذلك الدليل بعقل منفتح. فإن ظهر، فاستنتج أن الله ربما يكون موجوداً. وإن لم يظهر بعد بحث شامل، فاستنتج بما يتجاوز الشك المعقول أن إلهاً بهذه الصفات غير موجود.
وتفنيد الفرضية أسهل من إثباتها، ولذلك فحتى النتيجة الإيجابية لن تثبت إلا أن الإيمان بمثل هذا الإله أمر معقول. لكننا لن نواصل أبداً توجيه حياتنا بنموذج فيزيائي فشل في اختباراته، وينبغي أن نرفض بالقدر نفسه أن نبني حياتنا على أديان تعبد آلهة لا تتفق مع البيانات.
شكرا لكم على القراءة, ونلتقي في الفصل الثالث قريبا






















