view of cityscape

العلم المسبق والكهنوت

بسبب التناقضات الكامنة في النص الديني أنشأ الكهنوت عبر تاريخه مجموعة من الإجابات المعلبة الجاهزة التي هي مجرد مغالطات منطقية يتم بها تخدير الأتباع ودغدغة مشاعرهم وإسكات تساؤلاتهم.

وواحدة من أشهر هذه المغالطات هو حل التناقض الجلي في فرضية وجود إله قد قدر كل شيئ ووضع خطة مسبقة لكل شئ ولكنه سيحاسب الناس على ما قدره لهم قبل أن يولدوا بمليارات مليارات السنين من أفعال وتصرفات

وكان على المنظومة الكهنوتية أن تجد جوابا لهذا السؤال البسيط والمرعب في نفس الوقت : كيف يقوم كائن مطلق الامكانيات والحكمة بتقدير كل ما سيحدث مسبقا ثم يفقد أعصابه ويغضب من حدوث ما قدره مسبقا ويزعل من حصول ما خطط له مسبقا ويحاسب الناس على خطته وقدره؟

والإجابة المعلبة الجاهزة لهذا التناقض هي أنه يعلم مسبقا ما ستفعل ولكنه ترك لك الاختيار ولم يوجه مسدسا إلى رأسك ولم يضربك بعصا لتفعل الشيئ الذي علمه مسبقا

والمشكلة هنا أن جدلية العلم المسبق لا تحل التناقض بل ترغمك على قبول ما لا يقبل وتعلم المؤمن كيف يخدع نفسه ويخدرها وتعطي تعريفا مزاجيا مفصلا على المقاس الكهنوتي لحرية الاختيار ولا تلتزم بالمعنى الحقيقي للحرية والاختيار والإرادة

فالعلم المسبق يتناقض كلية مع حرية الاختيار وحرية الإرادة.

لكي يمتلك المرء حرية الاختيار يجب أن تتوفر عدة شروط نذكر منها 4 شروط أساسية:

أن يمتلك القدرة على الاختيار

ألا يكون موهوما بالاختيار وهو يسير ضمن خطة مسبقة

أن يكون اختياره تحت سيطرته وليست تحت سيطرة عوامل خارجية

ألا يعاقب على خياراته

امتلاك القدرة على الاختيار

الشرط الأول لتحقق حرية الإرادة عند الانسان هو أن يمتلك القدرة على الاختيار بين عدة أشياء. أي أنه إذا كان أمامه عدة أمور فيجب أن يكون هناك احتمال معقول لكل أمر أن يتم اختياره. فمثلا إذا وصل شخص ما في حياته إلى مكان حيث يوجد ثلاثة أبواب أبيض واسود وأزرق فلكي تتوفر حرية الاختيار يجب أن يكون هناك احتمال معقول لاختيار كل باب. إذا كان يمكنه أن يختار أي باب من هذه الابواب باحتمالية متساوية فإن احتمال كل باب يكون 33%. هذا أمر يجب أن يتحقق لكي تتوفر حرية الإرادة وحرية الاختيار.

وإذا كان يفضل بابا ما ويميل إليه فإن الاحتمالات قد تتغير لتصبح 50% , 20% , 30% مثلا.

 لكن هذا الأمر مستحيل في وجود علم مسبق. فإذا كان هناك علم مسبق مثلا أنه سيختار الباب الأزرق فإنه احتمال أخذه للباب الابيض صفر. واحتمال أخذه للباب الاسود صفر. واحتمال أخذه للباب الازرق 100 بالمائة

الصفر في الاحتمالات تعني مستحيل. إذا كان احتمال شيئ ما هو الصفر فهو مستحيل ويصير عدم دخوله في الحسبان مؤكدا . و100% تعني التأكيد المطلق. إذا كان احتمال شيئ ما هو 100% فهو مؤكد ويصير حتميا وليس اختياريا.

وحرية الاختيار لا تتوفر في حالة الاستحالة والتأكيد المطلق.تصبح العلمية إجبارية.

فإذا وصل إنسان ما بعد عشر سنوات من الآن إلى مفترق طرق حيث تواجد أمامه عشر مفترقات. إذا كان هناك حرية اختيار كاملة بدون أي تاثير خارجي كتأثير العلم المسبق فإن احتمال أخذه لأي طريق من هذه الطرق هو 10%. لكن الأمريختلف إذا كان هناك علم مسبق بأنه سيأخذ الطريق رقم 3. سيصبح حتما عليه أن يأخذ الطريق رقم 3. إذا كان الله يعلم مسبقا أنه سيأخذ الطريق رقم 3 فاحتمال أخذه لهذا الطريق هو 100%. واحتمال كل الطرق الأخرى هو صفر بالمائة. إذا أخذ الطريق رقم 5 فإن علم الله المسبق أخطأ. وصارت مسألة صحة توقع الله مجرد احتمال قد يخطئ وقد يصيب وهذا لا يتناسب مع فرضية الإله الكهنوتية بأن علم الله محيط بكل شيئ.

علم الله المسبق جعل الطريق رقم 3 إجباريا. ليس ضروريا أن يتم الإجبار بوضع مسدس على راس الرجل أو بضربه بعصا. جعل احتمال واحد هو الوحيد المتاح والمؤكد وجعل كل الاحتمالات الأخرة مستحيلة هو تعريف الإجبار. وهذا هو العلم المسبق لا أكثر ولا أقل.

لا يمكن لحرية الإرادة أن تتوفر بوجود العلم المسبق مطلقا. من تقبل هذا التبرير لتناقض وجود كائن يعلم مسبقا كل سلوكياتك المستقبلية مع حرية الاختيار يعاني من خلل في التفكير المنطقي السليم. العلم المسبق يتناقض مع حرية الاختيار ولا يمكن تواجد الأمرين معا. إما علم مسبق وإما حرية اختيار.

حرية الإرادة في جدليات الكهنوت تتطابق مع انتخابات الدول العربية والأنظمة القمعية حيث يذهب الناخبون وأمامهم مرشح واحد فقط لاختيار واحد من واحد لرئاسة البلد وينجح هذا الواحد بنسبة 99.99% ويظل يردد أنه ينفذ إرادة الشعب وأن الشعب هو الذي اختاره ويعتبر ذلك حرية إرادة وحرية اختيار ويقول خرج الناس بإرادتهم لم نضربهم بعصا ولم نضع مسدسا على رؤوسهم.لكن الإجبار ليس فقط بمسدس أو عصا أليس كذلك؟

وهم حرية الاختيار

حرية الاختيار التي يتكلم عنها الكهنوت هي وهم اختيار. وحرية الإرادة التي يصرون أنها موجود في فرضية الإله هي وهم إرادة.

ويتضح هذا بسهولة من الكلام السابق. فإذا كنت تمشي بطريق ووجدت شنطة مهجورة فالمفروض أن أمامك خيارات يمكنك أن تفعلها: أن تأخذ الشنطة لنفسك – أن تتجاهلها وتمضي بطريقك – أو أن تأخذها لقسم الشرطة – أو أن تنبه المتواجدين بالمكان لوجودها – أو أن تسأل شخصا ما بالجوار عما إذا كان يعرف عنها شيئا – أو تنبه أحد الحراس المتواجدين هناك وهكذا.

يفترض أن خيارين على الاقل من هذه الخيارات يحمل قيمة احتمالية أعلى من الصفر  واقل من 100% ليكون للاختيار معنى.

لكن إذا كان هناك علم مسبق من قبل مليارات السنين انك ستأخذها لنفسك فإنك حتما ستأخذها لنفسك وإلا كان صاحب العلم المسبق هذا مخطئا. وإذا كنت تظن انك أخذتها بكامل حريتك فهذا وهم حرية اختيار وليس حرية اختيار. أنت تعتقد أنك كنت حرا باختيارك عكس الحقيقة. الحقيقة أنك كان محتما عليك أخذها بسبب تأثير العلم المسبق حتى لو لم تدرك ذلك.

في الواقع شعورك أنك فعلت ذلك بكامل إرادتك وحريتك له معنى واحد : لا يوجد علم مسبق اصلا وادعاء الكهنوت كاذب.

لو جارينا فرضية الإله فإن الواضح أن العلم المسبق يؤثر على كل سلوكياتك واختياراتك بحيث يجب دائما أن تتوفق معه ولا تخالفه ويجب دائما أن تحققه. عدم شعورك بهذا التأثير لا يعني أنك حر, فقط تخلصك التام والكامل من هذا التأثير يعني أنك حر. وعدم إدراكك بأن تصرفاتك محتم عليها ألا تخالف العلم المسبق لا يعني أنك حر بتصرفاتك , فقط تخلصك من سيطرة العلم المسبق تعني ذلك.

ولذلك في فرضية الإله الكهنوتية هناك وهم حرية إرادة وليس إرادة. وهناك وهم حرية اختيار وليس حرية اختيار.

هناك كائن مفترض قام بإعداد الخطة مسبقا وهيأ كل الظروف لكي يجعلك تتصرف بطريقة واحدة معينة قد علمها ورسمها مسبقا وبينما أنت تنفذ هذه الخطة المرسومة مسبقا بحذافيرها تظن أنك تفعل ما تفعل باختيارك وإرادتك والحقيقة أن تعيش وهم إرادة ووهم حرية اختيار.

امتلاك السيطرة على اختيار الاحتمالات المتاحة

الشرط الثالث لتحقق حرية الإرادة والاختيار هي أن تمتلك السيطرة على اختيار الاحتمالات المتاحة.

لكن كما نجد في فرضية الإله أن الاحتمالات المتاحة واقعة فقط تحت سيطرة العلم المسبق. لا يمكن لها أن تخرج من حدود العلم المسبق. إذا علم الله مسبقا أنك ستختار الباب الازرق فإنه يستحيل عليك أن تختار غيره. احتمال الباب الازرق 100% واحتمال اي باب آخر هو الصفر.

وبالتالي فرضية الله تلغي تماما سيطرتك على ما سيحدث. ما سيحدث يحكمه العلم المسبق. لا يوجد لك أية حرية في تغيير ما اختاره العلم المسبق لك. العلم المسبق هو من حدد قيمة الاحتمالات وليس أنت.

حرية الإرادة تعني عدم المعاقبة

بعيدا عن تناقض العلم المسبق مع حرية الإرادة نجد ايضا أن حرية الارادة لا يمكنها أن تتم في حال وجود تهديد بالعذاب أو القمع أو الفناء أو الشوي والسلخ بالنار كما تقدمها فرضية الإله.

إذا كان هناك مرشحان للرئاسة وتم إعطاؤك حرية الاختيار لانتخاب أي منهما فإن هذه الحرية يجب ألا ترتبط بأية عقوبة مباشرة أو مكافأة مباشرة. لكن إذا قيل لك قبل الانتخاب أنك إذا اخترت المرشح ا فإنه سيتم حرقك في فرن ملتهب وإذا اخترت المرشح ب فإنه ستتم مكافأتك بعذراوات لم يطمثهن قبلك إنس ولا جان وأنت لك كامل الحرية باختيار من تشاء فأنت في الحقيقة مجبر وليس لك شيء من الحرية. وجود المكافأة يجعلك تتحيز لخيار ما ووجود العقوبة يجعلك تتجنب خيارا ما.

إذا كنت مديرا لشركة ما وقلت لموظفيك أنك تعطيهم كامل الإرادة في اختيار الطريقة التي يعملون بها فيجب أن تكون عند كلمتك. لا يجوز لك أن تكافئ فقط من اختار طريقة محددة بعينها وتغضب على كل الطرق الأخرى وتقوم بمعاقبتهم إلى حد إغراقهم كلهم دفعة واحدة والابقاء فقط على من اختاروا طريقة واحدة محددة.

هذه ليست حرية إرادة. هذه انعدام حرية الارادة تماما. أو بأفضل الظروف وهم حرية إرادة. في فرضية الإله أنت تنفذ الأوامر ولا تختار.

القرآن وحرية الإرادة

في الكهنوت الاسلامي فكرة العلم المسبق تم ابتكارها في العصر العباسي من قبل مذاهب السنة الحنبلية والحنفية لمواجهة فرقة القرآنيين القديمة. وهذه الفرقة تختلف قليلا عن طائفة القرآنيين المعاصرة بتبني فكرة خلق القرآن. وتتفق معها في إنكار ما لا يعجبهم من الأحاديث والسيرة.

هي فكرة فلسفية أعلى من المستوى الفكري للقرآن. فالقرآن كان فقط أهازيج راعي غنم وسجعيات رجل ذهاني ولا يتمتع بعمق فلسفي كبير. ولذلك تم إنشاء معظم الجدليات الفلسفية من قبل منظري الكهنوت فيما بعد.

بالنسبة للقرآن هناك فقط نفي لحرية الاختيار والإرادة حرفيا. فنجده يقول في إحدى السجعيات:

وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68)

وقال في سجعية أخرى حيث تم إرغام فتاة على الزواج رغم اعتراضها:

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)

نفي مباشر وصريج لحرية الاختيار. لكنها سجعيات قابلة للجدل والتأويل والترقيع بسبب طبيعة النص الكهنوتي عموما حيث يميل لأن يكون فضفاضا مطاطيا غير محدد وبسبب اعتلال التواصل اللفظي لدى مؤلف القرآن من جهة أخرى بسبب اضطرابه الذهاني.

في الواقع فرضية الإله تريد تنفيذ أوامر ولا تمنح حرية اختيار كما هو واضح. وقد أكد ساجع القرآن نفي الإرادة الشخصية في مواضع كثيرة كقوله :

مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ

وقوله:

وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30)

وفي موضع آخر:

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)

وكقوله :

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100)

في الحقيقة ترقيعات مثل ترقيعة العلم المسبق نتجت فقط متأخرة في مسيرة الكهنوت تحت ضغط المناقشات المنطقية في عقلانية فرضية الإله بينما الواقع أن فرضية الإله والنص الأصلي لم تقدم حرية اختيار أو حرية إرادة بل قدمت طلب تنفيذ أوامر وإيمان اعمى غيبي وامتلأت بالتناقضات ومنها التناقض المذكور أعلاه: كيف يقوم كائن مطلق الامكانيات والحكمة  ما بتقدير كل ما سيحدث مسبقا ثم يفقد أعصابه ويغضب من حدوث ما قدره مسبقا ويزعل من حصول ما خطط له مسبقا ويحاسب الناس على خطته وقدره؟


شارك الآن إن لم تكن قد فعلت من قبل في إحصائية اللادينيين

إحصائية اللادينيين في الموقع

نزل الجزء الثاني من ذهان النبوة مجانا


التبرع للموقع


اضغط أدناه إذا أحببت التبرع للموقع عبر الباي بال او بطاقة الاعتماد


Donate Button with Credit Cards

إصدارات الصفحة

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: