apple tree

فاكهة وأبّا

غالبا ما تتخلل الاضطرابات أحادية الوهم مثل ذهان النبوة نوبات من اضطراب المزاج. وتعتبر الثنائية القطبية للمزاج أحد أهم الاضطرابات التي قد تصاحب اضطراب الضلالة.

الثنائية القطبية للمزاج

ثنائية القطب لها علامات اكلينيكية واضحة. فعندما يرتفع المزاج بشكل كبير تنتفخ الأنا ويختبر المريض شعورا غير محدود بالعظمة. فيصير أهم شخص في الكون. الله والملائكة يصلون عليه. يصبح هو والله فريق واحد ضد الأعداء. يصير خير الخلق وسيد البشر وصفوة ولد آدم. ويصير المصطفى الذي تم اختياره لإنقاذ العالم وحكمه.

وإلى جانب أوهام العظمة تزداد القدرة على السجع بشكل رهيب. ويصبح الرابط السجعي هو الأساس. وعندما لا يجد المريض كلمة مناسبة للوزن والقافية يخترع كلمة من رأسه. وتسمى هذه الظاهرة الذهانية بالنيولوجيزم.

من علامات الثنائية القطبية الأخرى ضغط الكلام حيث تصبح الجمل قصيرة مزدحمة متلاحقة لاهثة وكأن المريض يسابق تدفق الألفاظ في دماغه. إلى جانب الرغبة الجنسية العارمة وقلة الحاجة للنوم (قم الليل إلا قليلا).

نوبة هوس قرآنية

وبتأمل سيرة ساجع القرآن نجد أنه عانى من ثنائية القطب لفترة ما في مكة. وهذا يفسر السجعية الشديدة في القرآن المكي مقابل ترهل النص القرآني المدني.

لنقرأ المقطع التالي:

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31)

لنبدأ من السجعية الأخيرة. فاكهة وأبا. كلمة أبا كلمة اخترعها محمد. أي هي نيولوجيزم. لم يجد كلمة معروفة لتوافق الوزن والقافية فاخترع كلمة من رأسه كما يفعل أمثاله في نوبات الهوس القطبي.

وكما يمكنك توقعه حاول المفسرون إعطاء كلمة أبا معنى عقلانيا رغم عدم وجودها في مفردات اللغة العربية لأنهم لا يعرفون مرض محمد ويظنون سجعياته من تأليف الله.

التعرف على النيولوجيزم

ويمكن معرفة الكلمات النيولوجيزمية بسهولة جدا:

فهي لا وجود لها في كلام العرب واشعارهم قبل الاسلام. ولا وجود لها في كلام العرب واشعارهم في الفترة بعد الإسلام حين كانت العربية هي اللغة الأم للعرب. أي من العصر الاسلامي حتى سقوط العالم العربي تحت حكم الأتراك. بعد الحكم العثماني ماتت العربية وصارت لغة ثانية يتعلمها الناس في المدارس وصارت اللغة الأم هي الدارجة حسب البلد.

كما تتميز الكلمات النيولوجيزمية بورودها مرة واحدة فقط في كلام المريض. وذلك لأنها نتاج حالة ذهنية معينة ومناسبة سجعية خاصة حيث تولدها ظروف مزاجية مضطربة خاصة لا تتكرر.

يمكنها أن تتكرر فقط إذا تكررت نفس الظروف المرضية وهذا نادر. ولهذا السبب نجد كلمة أبا وردت مرة واحدة فقط. مثلها مثل كلمة ضيزى وكلمة قسورة وعبارة ناشئة الليل وكهيعص وغيرها.

محاولات الترقيع

ولكي نأخذ فكرة عن حيرة أهل التأويل دعونا نطلع على شيء مما أورده الطبري وابن كثير ي محاولاتهم لتأويل كلمة أبا:

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا حميد، قال أنس بن مالك: قرأ عمر( عَبَسَ وَتَوَلَّى ) حتى أتى على هذه الآية( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) قال: قد علمنا ما الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم أحسبه ” شك الطبري ” قال: إن هذا لهو التكلف.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه( عَبَسَ وَتَوَلَّى ) فلما أتى على هذه الآية( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) قال: قد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ قال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: قرأ عمر:( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) ومعه عصا في يده، فقال: ما الأبّ، ثم قال: بحسبنا ما قد علمنا، وألقى العصا من يده , ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب، قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه.

لاحظوا حيرة عمر بن الخطاب الذي عاصر الساجع. وكيف كان يشك ثم ينهى نفسه ويقول إن محاولة معرفة معناها تكلف ويجب أن يكتفي بما يعرف ككلمة فاكهة.

لم يكن يدري عمر أنها كلمة مخترعة نيولوجيزمية لا معنى لها.

محاولات الإصلاح من السياق

وبعد عمر حاول الكثيرون إعطاءها معنى من السياق. فبما أنه يتكلم عن النباتات  فالاستنتاج الأسرع تبادرا إلى الذهن أنها نبات. ويميل الدماغ البشري عادة إلى إكمال الفجوات والفراغات من المعلومات الواردة. لو وردت كلمة أبا في سياق الحديث عن الأسود والنمور مثلا فسيميل الدماغ إلى تفسيرها على أنها أحد حيوانات الغابة. فلو كانت العبارة : وأسدا وذئبا * وثعالب غلبا * وثعبانا وأبا ….. لتم تفسيرها على أنها حيوان

ولو وردت في سياق الحديث عن الطيور لفسرها على أنها أحد الطيور. فلو قال : وعقابا ونسرا * وحدأة وصقرا * وغرابا وأبا … لتم تفسيرها على أنها نوع من الطيور.

ولنفس السبب حاول أهل التأويل إعطاءها معنى نباتيا. فقال أحدهم هي عشبا. وفاكهة وعشبا. وقال آخر هي طعام الحيوانات  والفاكهة طعام الانسان. وقال ابن عباس هي الثمار الرطبة. وكما هو واضح يحاولون تخمين معناها.

كلمة أبا لا يوجد لها شاهد آخر في كلام العرب وأشعارهم ولم ترد إلا هنا. وهي مثال نموذجي للنيولوجيزم يمكن تدريسه لطلاب الطب النفسي.

سيطرة السجعية الشديدة على المعنى

بالعودة للمقطع نلاحظ أن الساجع اراد أن يتكلم عن طعام الإنسان. فلينظر الانسان إلى طعامه. ثم يواصل أنا صببنا الماء صبا. لا صوت يعلو فوق صوت السجع هنا. قوله صبا مجرد تكلف لا يضيف شيئا للمعنى ولكنه يحافظ على القافية. وكيف يمكنك أن تصب الماء؟ هل تصب الماء طحنا؟ أم تعجنه عجنا؟ لكن المسلم البسيط يؤمن أن هذا التكلف لغرض السجع هو قمة البلاغة والفصاحة وكأنه يمكنه أن يطحن الماء طحنا. يقول شيئا بديهيا لا حاجة لقوله ثم يسميه بلاغة ويتحدى الناس أن تمارس الجنون مثله وإلا فكلامه ألفته كائنات فضائية.

كلمة صبا مفعول مطلق. وللمفعول المطلق مواقع بلاغية ومواقع تكلفية. فعندما يكون المفعول المطلق لبيان النوع مثل سرت سير المستعجل أو بيان العدد صرخت صرختين فإنه يؤدي غرضا بلاغيا مفيدا لايصال المعنى. وعندما يأتي للمبالغة والتكلف فهو سقطة بلاغية مثل قولك قرأت الكتاب قراءة و اكلت الخبز أكلا وصببت الماء صبا وشققت الأرض شقا وشاهدت المباراة مشاهدة الخ.

ثم يستمر المقطع على نفس الشكل. جمل قصيرة ومتسارعة وكلمات مزدحمة لاهثة متلاحقة في مثال بين على ضغط الكلام والرابط السجعي الشديد.

شارك الآن إن لم تكن قد فعلت من قبل في إحصائية اللادينيين

إحصائية اللادينيين في الموقع

نزل الجزء الثاني من ذهان النبوة مجانا

التبرع للموقع


اضغط أدناه إذا أحببت التبرع للموقع عبر الباي بال او بطاقة الاعتماد


Donate Button with Credit Cards

إصدارات الصفحة

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: