الله الفرضية الفاشلة – الفصل الثالث
هذا المقال مبني على كتاب العالم الفيزيائي الشهير فيكتور ج. ستينجر: الله الفرضية الفاشلة – كيف يوضح العلم أن الله لا وجود له. هذا المقال طويل لتغطيته جوانب كثيرة حول وهم المصمم الذكي
وهم التصميم
ربما لا توجد حجة لوجود الله تُسمع أكثر من حجة التصميم. الخالق المدبر الذي أتقن كل شيء صنعه. إنها الصورة الأكثر شيوعاً لـ«إله الفجوات»: يُقال أن الكون، والكائنات الحية على وجه الخصوص، أعقد من أن تكون قد نشأت بأي آلية طبيعية يمكن تصورها. وقبل العلم كان الإيمان يقوم على العقيدة والتقاليد والكتب المقدسة المنزَّلة. ولما بدأ العلم يقوّض التعاليم التقليدية، كالقول بأن الأرض سطحت وهي قرار ساكنة، بدأ الناس ينظرون إلى العلم نفسه بحثاً عن دليل على وجود كائن أسمى، دليل لا يعتمد على الحقيقة الحرفية للكتاب المقدس. وسأوضح هنا أننا حين ننظر جيدا نجد عكس ما كانوا يأملون.
ساعة بيلي
للفكرة القائلة أن الخلق وحده يشهد على الله تاريخ طويل، يقول الشاعر العربي المؤمن بخرافات الكهنوت:
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه الواحد
وقد جاء أبرع عرض لهذه الفكرة على يد رئيس الشمامسة الأنجليكاني ويليام بيلي. ففي كتابه «اللاهوت الطبيعي» عام 1802 تخيّل أنه يعبر أرضاً مكشوفة فيعثر على حجر وساعة. قد يكون الحجر جزءاً بسيطاً من الطبيعة، لكن لا أحد يشك في أن الساعة صُمّمت لقياس الوقت. ثم زعم بيلي أن الأشياء الطبيعية، كعين الإنسان، تحمل كل علامات المصنوعات المدبَّرة.
والحجة أبعد ما تكون عن الموت. فقبل أسابيع من البدء في هذا الكتاب، جاء إلى المؤلف شاهدان من شهود يهوه، وحين أبدى تشككه بأدب، بدأ أحدهما قائلاً: «افترض أنك وجدت ساعة…». ومن أحفادها المعاصرين حركة التصميم الذكي، والادعاء بأن ثوابت الفيزياء «مضبوطة بدقة» من أجل الحياة، وهو ما يُسمى عادةً، وعلى نحو مضلِّل، «المبدأ الإنساني». ويسأل المؤمنون كذلك كيف يمكن أن ينشأ الكون وقوانين الطبيعة والعقل البشري دون كائن أسمى. وسنرى ما يقوله العلم في كل ذلك.
جواب داروين
من مفارقات التاريخ أن تشارلز داروين، الذي دخل كامبريدج عام 1827 ليدرس من أجل سلك الكهنوت، سكن الغرف نفسها التي شغلها بيلي قبل سبعين عاماً. وقد أُعجب بأعمال بيلي، وقال إن «اللاهوت الطبيعي» منحه من المتعة ما منحه إقليدس. ومع ذلك كان داروين هو من أجاب بيلي ووجّه إلى الاعتقاد الديني أعمق تحدٍّ منذ أن أزاح كوبرنيكوس الأرض عن مركز الكون. وقد سبّب له اكتشافه حزناً شخصياً عميقاً، وهو مثال للعالِم الذي يتبع الدليل أينما قاده.
كانت فكرة التطور في الأجواء، وكان جده إرازموس من أنصارها، لكن أحداً لم يحدد الآلية. وقد طرحها داروين في «أصل الأنواع» عام 1859، بمعزل عن ألفريد راسل والاس: الانتقاء الطبيعي، حيث تراكم الكائنات تغيرات تعينها على البقاء وتورّث هذه الخصائص. وكان داروين قد أجّل النشر عشرين عاماً إلى أن أجبرته رسالة والاس على ذلك، وكان عمله أشمل بكثير. واليوم نفهم العملية في ضوء المعلومات الوراثية في الحمض النووي المعدَّلة بالطفرات العشوائية. وهي أساس علم الأحياء الحديث وتُستخدم في كل فروع علوم الحياة، بما فيها الطب.
ويزعم المعارضون في كثير من الأحيان أن التطور ليس علماً حقيقياً لأنه لا يقدم تنبؤات قابلة للاختبار ولا يمكن تفنيده. وهذا خطأ محض. فقد تنبأ داروين بأن أسلاف البشر سيُعثر عليهم في أفريقيا، وقد عُثر على كثير منهم. وتنبأت نظرية التطور بأن المضادات الحيوية ومضادات الفيروسات ستنتخب سلالات مقاومة، وهذا اليوم من أعمدة الممارسة الطبية. وتنبأ علماء الأحافير بدقة بأن أشكالاً انتقالية بين الأسماك والبرمائيات ستظهر في طبقات العصر الديفوني، وظلوا سنوات يتوقعون العثور على انتقالات من الثدييات البرية إلى الحيتان. وقد ملأت تلك الاكتشافات المجلات العلمية. ويمكن العثور على مئات الأمثلة للأنواع الانتقالية بمجرد بحث بسيط على الإنترنت.
ومن السهل أيضاً أن نقول كيف يمكن تفنيد التطور. اعثر على ثدييات في طبقات الحقب القديم إلى جانب ثلاثيات الفصوص وزنابق البحر، فتنهار الفكرة كلها. لكننا لا نجد شيئاً من ذلك. ومثالي المفضل عمره أكثر من قرن. فقد حسب الفيزيائي اللورد كلفن عمراً للأرض أقصر بكثير من أن يسمح بعمل الانتخاب الطبيعي، واعتبر داروين ذلك أخطر تحدٍّ لنظريته. لكن الطاقة النووية كانت مجهولة حينها. وعندما اكتُشفت في أوائل القرن العشرين أدرك الفيزيائيون أن التفاعلات النووية تتيح للشمس أن تحترق مليارات السنين. وبمعنى ما، كان التطور قد تنبأ بمصدر طاقة جديد. وقد تراجع كلفن بعد ظهور البرهان وسحب اعتراضه بكل كرم.
وكثير من الحجج على وجود الله كانت لها قوة حقيقية في يوم من الأيام، ولم يحدث إلا في القرن الأخير أن المعرفة المتراكمة لم تكتفِ بإزالتها بل قلبتها رأساً على عقب. وهذا يدحض الادعاء بأن العلم ليس لديه ما يقوله عن الله. فأصل الإنسان، وتشابه الحمض النووي والتشريح بين البشر والحيوانات الأخرى، واستخدام الحيوانات في البحوث الطبية، كلها تفنّد إلهاً خلق البشر كشكل حياة مستقل. والسجل الأحفوري والأنواع الانتقالية ومشاهدة التطور في المختبر تفنّد إلهاً خلق «أصنافاً» ثابتة في لحظة واحدة وتركها دون تغيير. كان يمكن أن يكون الأمر غير ذلك.
ويرى كثير من المؤمنين أنه لا تعارض، إذ كان بوسع الله أن يختار التطور وسيلة. ويشعر آخرون، عن حق، بأنه يمثل تهديداً، لأن التطور يعني أن الإنسانية كانت عرَضاً لا الخليقة الخاصة والمفضلة كما في العقيدة التقليدية. لكن إذا كان العلم هو الحَكَم، فالنتيجة تسير في الاتجاه المعاكس: التطور يلغي الحاجة إلى الله في أي خطوة من خطوات تطور الحياة من أشكالها البسيطة الأولى. وهو لا يفسر أصل الحياة، وتلك الثغرة باقية، لكن ليس لدينا سبب للظن بأن الحياة لا يمكن أن يكون لها أصل مادي بحت.
الخلقيون
للحركة الخلقية تاريخ معروف. ففي عشرينيات القرن الماضي صارت قصة الخلق التوراتية البديل المعتاد للتطور في أمريكا، وتبنّاها الأصوليون المسيحيون. وجرّمت تينيسي وميسيسيبي وأركنسو تدريس التطور. وفي عام 1925 حوكم مدرس الأحياء جون سكوبس في ديتون بولاية تينيسي في «محاكمة القرد» المثيرة، حيث ترافع كلارنس دارو دفاعاً ووليام جينينغز براين ادعاءً. أُدين سكوبس ثم نُقض الحكم لاحقاً، وتُعدّ المحاكمة على نطاق واسع نصراً دعائياً للداروينيين.
وجاء تيار جديد عام 1961 مع «طوفان التكوين» لجون ويتكومب وهنري موريس، اللذين زعما أن العلم متوافق مع سفر التكوين. ولم تكن مزاعمهما العلمية جديرة بالتصديق، لكن المسيحيين المحافظين انتبهوا. وأسس موريس معهد علم الخلق نحو عام 1970، ودفعت الحركة بما سمّته «علم الخلق» إلى الفصول الدراسية في المدارس الحكومية. وأصدرت أركنسو ولويزيانا قوانين تلزم بتدريسه إلى جانب التطور. وأسقط قاضٍ فيدرالي قانون أركنسو عام 1982، وأبطلت المحكمة العليا قانون لويزيانا عام 1987.
ثم انقسم دعاة الخلق إلى فرعين. تمسك أحدهما بالأرض الفتية. وطوّر الآخر خلقية متخفية بحجج أكثر تطوراً، على الأقل في عين غير المتخصص، سُميت التصميم الذكي، أو «ID».
الإسفين
وبعد أن تعلّم أنصار التصميم الذكي من أخطاء علماء الخلق، قللوا من شأن دوافعهم الدينية، وإن لم ينجحوا كثيراً حتى الآن في تجنب المشكلة الدستورية. وتحاشوا الأخطاء الفادحة للخلقية القائلة بالأرض الفتية، وقدموا موقفهم بوصفه «علماً خالصاً»، مدّعين أن التصميم يمكن إثباته علمياً وأن العمليات الطبيعية وحدها لا تفسر تعقيد الطبيعة.
وقد وثّقت باربرا فورست وبول غروس كيف تتغذى هذه الحركة من منظمة مسيحية محافظة ذات تمويل ضخم، هي معهد ديسكفري. ومن أهدافه المعلنة «هزيمة المادية العلمية وإرثها المدمر أخلاقياً وثقافياً وسياسياً»، وتجديد العلم والثقافة على أسس إنجيلية. وهذه ليست لغة البحث المجرد من الأهواء. ولم يكن الكهنوت يوما باحثا عن الحقيقة المجردة عن الأهواء, بل كان ساعيا بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتمرير وجهة نظره وفرضها ولو بحد السيف على المخالفين
التعقيد غير القابل للاختزال عند بيهي
لم تصمد أي من مزاعم المنظّرين الرئيسيين للحركة، عالم الكيمياء الحيوية مايكل بيهي واللاهوتي ويليام ديمبسكي، أمام التمحيص. وقد فنّدتها كتب ومقالات عديدة بالتفصيل، وأظهرت في حالات كثيرة أن مقدماتها الواقعية خاطئة. ولم يُنشر لهما عمل في مجلة علمية محترمة.
وتقوم شهرة بيهي على كتابه الصادر عام 1996 «الصندوق الأسود لداروين»، الذي قدّم فيه التعقيد غير القابل للاختزال: نظام يتوقف عن العمل إذا أُزيل أي جزء منه. وزعم أن الأجزاء لا يمكن أن تكون قد تطورت، لأنها منفردة لا وظيفة لها ليعمل عليها الانتقاء. وردّ علماء الأحياء التطورية بسرد حالات كثيرة يغيّر فيها نظام حيوي وظيفته أثناء تطوره. فقد ينتخب الانتقاء جزءاً لمهمة ما ثم يتكيف لاحقاً لمهمة أخرى. وقد قدموا آليات طبيعية معقولة لكل مثال أورده بيهي، وكثير منها كان معروفاً قبل أن يجلس لكتابة كتابه. وقد ناقش الحائز على جائزة نوبل هيرمان جوزيف مولر آليات هذه الأنظمة قبل نحو ستين عاماً. ولا يمكن حتى أن نغفر لبيهي وقوعه في فخ إله الفجوات، لأنه لم يجد فجوة من الأساس.
ويُظهر «إبهام الباندا» عند ستيفن جاي غولد كيف يعمل التطور. فالباندا تبدو كأن لها ستة أصابع، لكن «الإبهام» المقابل هو في الحقيقة عظمة معصم متضخمة، نتوء قصير مناسب لإمساك سيقان الخيزران. هذا هو شكل تعديل بنية موجودة، وليس هندسة دقيقة.
العين
كانت العين المثال المفضل لدى الخلقيين منذ بيلي. ومع ذلك أشار ريتشارد دوكينز في «صانع الساعات الأعمى» إلى أن عين الفقاريات موصَّلة بشكل معكوس: فالأسلاك من الخلايا الجامعة للضوء تبرز في الجهة المواجهة للضوء وتمر على سطح الشبكية قبل أن تعبر ثقباً، هو البقعة العمياء، إلى العصب البصري. أما الأخطبوطات والحبّار فأسلاكها موصَّلة بشكل أكثر معقولية.
ولا يرى عالم الأحياء كينيث ميلر، وهو كاثوليكي ملتزم، أن وصفها بسوء التصميم وصف عادل، لأن الترتيب يعمل جيداً. وبيّن بدلاً من ذلك كيف يفسره التطور: فقد تطورت الشبكية من طبقة خارجية معدَّلة من الدماغ صارت تدريجياً حساسة للضوء. والعين لا هي سيئة التصميم ولا حسنته. إنها ببساطة غير مصمَّمة.
وللعيون قيمة بقاء واضحة إلى حد أنها نشأت ما لا يقل عن أربعين مرة بصورة مستقلة، وقد حدد علم الأعصاب ثمانية حلول بصرية مختلفة لجمع الضوء وتركيزه، تشترك كلها في أوجه تشابه على المستوى الجزيئي والوراثي. فالفيزياء والكيمياء واحدة، إذ إن طرق كشف الفوتونات قليلة، لكن الصدفة والبيئة المحلية أديتا إلى حلول مختلفة عبر أخذ عينات عشوائية من المسارات التي يتيحها التطور. وتبدو العيون تماماً كما نتوقع لو نشأت من الصدفة والانتخاب الطبيعي دون أي عقل.
معلومات ديمبسكي
كان ديمبسكي أغزر إنتاجاً بكثير من بيهي، وهو يزعم أن التصميم في الطبيعة قابل للإثبات رياضياً. وحججه مصوغة بلغة تقنية وغامضة في الغالب، لكن خبراء كثيرين فحصوها، وهم يجمعون تقريباً على أنها معيبة بعمق. ويكفي مثال واحد يقول فيه ديمبسكي، مثل بيهي، قولاً خاطئاً بصورة يمكن إثباتها. فهو يؤكد أن الصدفة والقانون معاً لا يمكنهما توليد المعلومات، ويسمي ذلك «قانون حفظ المعلومات».
وقد دحض هذا «القانون» بصورة بسيطة وبديهية. فالتعريف الكمي للمعلومات، كما يستخدمه ديمبسكي، يعادل الإنتروبيا السالبة. والإنتروبيا، مقياس الفوضى، لا تُحفظ مثل الطاقة. ففي النظام المفتوح، الذي يتبادل الطاقة مع بيئته، يمكن أن تزيد الإنتروبيا أو تنقص. والكائنات الحية أنظمة مفتوحة، تُبقيها مصادر الطاقة الخارجية بعيدة عن الاتزان الحراري وتحافظ على نظامها.
المعركة السياسية
لقد خلص العلماء من أديان شتى ومن غير دين، بغالبية ساحقة، إلى أن التصميم الذكي لم يُثبت حجته علمياً، وأيدت كل الجمعيات العلمية الكبرى في الولايات المتحدة التطور ورفضت التصميم الذكي. وقد عبّر قسم بيهي نفسه في جامعة ليهاي عن ذلك جيداً، فأعلن دعمه القاطع للنظرية التطورية، وأن بيهي هو المعارض الوحيد فيه، وأن التصميم الذكي «ليس له أساس في العلم، ولم يُختبر تجريبياً، ولا ينبغي اعتباره علمياً». وغادر ديمبسكي جامعة بايلور وسط احتجاجات أعضاء هيئة التدريس إلى المعهد اللاهوتي المعمداني الجنوبي، وأدرك علماء كثيرون في الجامعات المسيحية أن التصميم الذكي لا يقدم سنداً محترماً لإيمانهم.
والمعركة تدور في السياسة لا في العلم، ولا تنفك تنتج دعاوى قضائية. ففي ديسمبر 2005 قضت محكمة فيدرالية في دوفر بولاية بنسلفانيا بأن التصميم الذكي مدفوع بدوافع دينية وأن تدريسه في حصص العلوم بالمدارس الحكومية غير دستوري. ويبدو ذلك ناقوس موت له، إلا في نقطة دقيقة فاتت معظم أنصار التطور.
ففي قضية دوفر والقضية السابقة في أركنسو، تجاوز القضاة ما هو لازم. فتقرير أن ثمة تشابكاً غير دستوري بين الدولة والدين كان كافياً للفصل في كل قضية، كما أقر القاضي جونز. لكنهم أعلنوا أيضاً أن علم الخلق والتصميم الذكي ليسا علماً، فاضطروا إلى تعريف العلم، وهو أمر لم يتفق عليه العلماء ولا الفلاسفة. وعرّف القاضي أوفرتون في أركنسو العلم بأنه ما تحكمه القوانين الطبيعية، ويُفسَّر بالرجوع إليها، وقابل للاختبار، ومؤقت، وقابل للتفنيد.
وكان الفيلسوف لاري لاودان، قد اشتغل سنوات على مشكلة الفصل بين العلم وغيره، فاحتج بشدة. فعلم الخلق، كما أشار، قابل للاختبار ومؤقت وقابل للتفنيد. فهو يتنبأ بأرض فتية، من بين أمور أخرى، وتلك التنبؤات فُنّدت. والعلم المفنَّد يمكن أن يظل علماً، لكنه علم خاطئ. وحذّر من أن القرار سيكرّس صورة نمطية خاطئة عن كيفية عمل العلم.
والأمر نفسه ينطبق اليوم. فالتصميم الذكي قابل للاختبار ومؤقت وقابل للتفنيد، وقد فُنّدت مزاعم ديمبسكي وبيهي فعلاً. ولا أجادل في حكم أن التصميم الذكي، كما مارسه مجلس تعليم دوفر، كان محاولة غير دستورية للترويج لرؤية طائفية تحت ستار العلم، وأتفق على أنه يحمل كل سمات العلم الزائف. لكن القاضي جونز اعتمد على شهود قالوا إن التصميم الذكي لا يُعدّ علماً إلا إذا وُسّعت قواعد العلم. وكان ذلك غير حكيم وغير صحيح، للأسباب المذكورة في الفصل الأول من هذه السلسلة. العلم قادر على اختبار كل الادعاءات الدينية ابتداء من ادعاء التخاطب مع كائنات فضائية تنزل لهم من السماء, وللعلم تفسير مبرهن لسماع أصوات لا يسمعها أحد آخر ورؤية أشياء لا يراها الآخرون
التنظيم الذاتي
يستشهد أنصار التصميم الذكي كثيراً ببيان وقّعه «400 عالم» دليلاً على التأييد. لكن اقرأه بعناية: فالموقّعون متشككون في أن الطفرة العشوائية والانتخاب الطبيعي يفسران تعقيد الحياة، ويحثون على فحص أدلة النظرية الداروينية بعناية. ولا يرد فيه التصميم الذكي. إنه تعبير عن شك معتدل ومعقول، مع دعوة لا داعي لها إلى التمحيص، لأن التطور يُختبر بصرامة منذ أن أبحر داروين على متن «بيغل».
ومع ذلك فقد يكون في التطور أكثر من الطفرة العشوائية والانتخاب الطبيعي. لكنه ليس تصميماً ذكياً. فالأنظمة المادية المعقدة تُظهر عملية طبيعية بحتة تسمى التنظيم الذاتي، في الأحياء وغير الأحياء. ويقدم كتاب فيليب بول «النسيج المصنوع ذاتياً» أمثلة كثيرة على تشكل الأنماط، وهو كفيل بشفاء أي أحد من وهم أن العمليات العمياء لا تستطيع إنتاج التعقيد الذي حولنا. وكثير من الأنماط الموجودة في الكائنات الحية توجد أيضاً في الأنظمة غير الحية ويمكن فهمها بالفيزياء الاختزالية الأولية، فلا حاجة إلى عملية كلية خاصة. فالبساطة تلد التعقيد بسهولة بين الجسيمات المتفاعلة محلياً. والكل هو مجموع أجزائه.
لنتأمل متتالية فيبوناتشي، حيث كل عدد هو مجموع العددين السابقين: 0، 1، 1، 2، 3، 5، 8، 13، 21، وهكذا. وتتبعها بتلات كثير من الأزهار: فللحوذان خمس، وللأقحوان الذهبي ثلاث عشرة، وللأستر إحدى وعشرون. ويرى ديمبسكي أن «المعلومات المعقدة المحددة» علامة على التصميم الذكي، ويقدم مثالاً عليها فيلم «اتصال»، حيث يتلقى الفلكيون الأعداد الأولية من 2 إلى 101 فيستنتجون أن أحداً أرسلها. لكن ديمبسكي لا يحتاج إلى انتظار إشارة من الفضاء. يمكنه أن يدخل حديقته ويعدّ البتلات. وسيجد «معلومات معقدة محددة» تنتجها عمليات طبيعية بحتة.
ومثال آخر من بول هو اللولب المزدوج في النباتات. ففي 80 بالمئة من الأنواع تلتف الأوراق صعوداً على الساق، وتنحرف كل ورقة بزاوية ثابتة عن التي تحتها، وتُظهر زهيرات عباد الشمس وأوراق مخروط الصنوبر لولباً مزدوجاً. قد يُظن أن عملية بيولوجية خاصة تعمل هنا، لكن الأمر يتبين أنه فيزياء بسيطة، هي تقليل الطاقة الكامنة. ففي عام 1992 وضعت ستيفاني دواديه وإيف كوديه قطيرات صغيرة من سائل مغناطيسي على طبقة زيت، واستقطباها بمجال رأسي فتنافرت، وسحباها نحو الحافة بمجال ثانٍ. فرتّبت القطيرات نفسها في لولب مزدوج. فالآلية فيزيائية لا بيولوجية فحسب.
يمكنك تجريب ذلك بنفسك بأقل قدر ممكن من الافتراضات. ابدأ بجسيم مشحون واحد وأضف غيره واحداً تلو الآخر في حلقات متزايدة نصف القطر، واضعاً كلاً منها في الموضع الذي يقلل الطاقة الكامنة الكهربائية. سيظهر اللولب المزدوج، مع أنه لم يكن مدمجاً في الخوارزمية. وما تثبته أنت هنا هو كسر التناظر التلقائي: نظام يُكسر تناظره طبيعياً دون آلية لا تناظرية تفرضه. وسنرى أهميته حين ننتقل إلى تشكل البنية في الكون دون تصميم.
وقد رأى ستيوارت كوفمان أن التنظيم الذاتي يؤدي دوراً في تطور الحياة أكبر مما يُظن، وأن الانتقاء الطبيعي وحده لا يكفي. ويقترح أن الحياة بدأت عبر الإغلاق الحفزي، أي شبكة من التفاعلات الكيميائية تصبح قادرة على الاستمرار ذاتياً. ومع أنه يبدو كأنه يلمّح إلى قانون كلي جديد في الطبيعة، فلا حاجة إلى شيء وراء الفيزياء والكيمياء الاختزاليتين. وأصل الحياة لا تفسره نظرية التطور، ولا بد أن عملية سابقة للحياة، كالتنظيم الذاتي، قد شاركت فيه. وهذه فجوة قائمة في المعرفة، لكن الآليات الطبيعية المعقولة تكفي لإبقاء الله خارج الصورة.
القواعد البسيطة
تبيّن محاكاة الحاسوب اليوم كيف تنظم الأنظمة البسيطة نفسها في أنماط معقدة. وهذا ليس سوى قوانين ميكانيكا الجسيمات المعروفة مطبَّقة على أعداد كبيرة من الجسيمات، وأي قانون كهذا لا علاقة له بكون الأنظمة حية أم لا.
وأوضح الأمثلة هي الأوتوماتا الخلوية، التي استخدمها جون فون نيومان مثالاً لأنظمة قادرة على استنساخ نفسها. فعلى شبكة كورق الرسم البياني تملأ كل مربع وفق قاعدة تنظر إلى جيرانه فقط، وهي عملية محلية بحتة. وقاعدة إدوارد فريدكين من ستينيات القرن الماضي بسيطة: شغّل الخلية إذا وفقط إذا كان عدد فردي من جيرانها الأربعة غير القطريين مشغلاً. وأي نمط ابتدائي سيُنتج أربع نسخ من نفسه كل أربع دورات. وقد جمع ستيفن وولفرام عدداً هائلاً من هذه الأوتوماتا في «نوع جديد من العلم»، وزعم أن الكون يعمل كحاسوب رقمي، وهي فكرة تُنسب عادةً إلى فريدكين.
والنقطة هنا أن الأنظمة المعقدة لا تحتاج إلى قواعد معقدة ولا إلى فيزياء جديدة لتنشأ من أصول بسيطة. والادعاءات الكبيرة عن مبادئ كلية جديدة لا أساس لها. فإذا كان كل ما نحتاجه قواعد بسيطة، فإن المطلوب على الأكثر واضع قواعد بسيط محدود الذكاء، لا واضع قواعد ذو ذكاء لا نهائي.
تعريف التصميم
تفترض حجة التصميم مسبقاً أن التصميم موجود. ويقترح نيكولاس إيفريت أن «الحجة من النظام» أو «الحجة إلى التصميم» أسماء أفضل. وسنبيّن أن الدليل يشير بقوة إلى غياب التصميم. فإذا كان من صفات الله أنه صمّم الكون، لأجل أن توجد البنى الحية المعقدة فإن عدم رصد هذا التصميم يمنحنا أساساً تجريبياً للاستنتاج أن إلهاً بهذه الصفة غير موجود.
ويستعمل المؤلفون كلمة «تصميم» استعمالاً فضفاضاً لأي بنية ذات نمط أو غاية. أما نحن فنستعملها لفعل عامل، إلهياً كان أو بشرياً، غبياً أو ذكياً، يرسم مخططاً لمصنوع يُجمَّع لاحقاً وفق الخطة. فقد يحتاج التجميع إلى ذكاء كبير، كما عند الأخوين رايت، وقد يكون شبه آلي كما في خط إنتاج مؤتمت. والمهم هو الخطة الأولى، غاية مدمجة منذ البداية.
ويجب ألا نخلط بين الغاية المسبقة والمنفعة المجردة. فالحجر يمكنه كسر نافذة، لكنه لم يُصمَّم لذلك. وبلورة الملح لها بنية، لكنها لم تُصنع لتجعل الطعام ألذ. وللكائنات أجزاء تؤدي وظائف حيوية، والسؤال هو: هل صمّم عامل ذكي كل جزء لغايته الحالية، أم تطورت الوظيفة بالصدفة والانتقاء الطبيعي؟ علينا أن نسأل هل يُظهر النظام علامات خطة مسبقة، أم يمكن أن نراه قد تطور بلا عقل استجابةً لحاجات البقاء أو بآليات فيزيائية كالتنظيم الذاتي.
التصميم السيئ
في ساعة بيلي كل جزء مصنوع بعناية ليؤدي وظيفته بأعلى كفاءة، وليس في الساعة إلا القليل من الأجزاء المهدرة. وقد ردّ بعض التطوريين بحجة التصميم السيئ، بذكر الطرق التي يستطيع بها مهندس كفء تحسين ما صنعته الطبيعة. وجسم الإنسان بالكاد يشبه ساعة.
وقد وصف س. جاي أولشانسكي وبروس كارنز وروبرت بتلر في «ساينتفيك أمريكان» عيوب الجسم البشري وكيف كان يمكن لمهندس أن يصلحها لنعيش مئة عام أو أكثر بصحة أفضل. ويرجعون العيوب إلى طريقة «روب غولدبرغ» التي يلفّق بها التطور سمات جديدة بالعبث بالقديمة. فالانتقاء الطبيعي لا يسعى إلى الكمال ولا إلى الصحة الدائمة. وكل ما على الجسم هو أن يعيش ما يكفي ليتكاثر ويربي صغاره. ونحن نعيش أطول لأن أبناءنا يحتاجون سنوات لينضجوا ويساعد الأجداد في تربيتهم.
ومن العيوب عظام تفقد المعادن بعد الثلاثين فتصير عرضة للكسر وهشاشة العظام، وقفص صدري لا يحمي الأعضاء الداخلية حماية تامة، وعضلات تضمر، وأوردة ساق تتضخم وتلتوي، ومفاصل تبلى مع رقة مواد التزليق، وشبكيات عرضة للانفصال، وبروستات تتضخم وتعيق تدفق البول, وقابلية خلوية للتسرطن, واضطراب خلوي يجعل الخلايا تهاجم جسمها كما في الاضطرابات المناعية. وسيكون للإنسان المصمَّم تصميماً سليماً أذنان أكبر، وعينان بتوصيل مختلف، وعنق منحنٍ، وجذع مائل إلى الأمام، وأطراف وقامة أقصر، وحشوة إضافية حول المفاصل، وأقراص فقرية أسمك، وركبة معكوسة، وغير ذلك. ومع ذلك، كما يرى ميلر، تؤدي الأجزاء مهامها، حتى لو لم تكن تلك المهام جزءاً من خطة أصلية.
لا أثر له في أي مكان
عنون دوكينز كتابه «صانع الساعات الأعمى» بعنوان فرعي: «لماذا يكشف دليل التطور عن كون بلا تصميم». وكما سنرى في الفصول اللاحقة، فليست الأحياء وحدها، بل النطاق الكامل للملاحظات العلمية، يقود إلى هذه النتيجة: الكون لا يبدو مصمَّماً.
وتصل التقديرات لعدد الأنواع الحية اليوم إلى مئة مليون، وقد عاش عشرة أو مئة أضعاف هذا العدد وانقرض. وأفضل تفسير لذلك هو الانتقاء الطبيعي الأعمى. فالأنواع الكثيرة نتاج محاولات عديدة عشوائية في معظمها لحل مشكلة البقاء، وأغلبها يفشل، وكثير من النجاحات هامشية وتنتهي بالانقراض. وقد حدثت كذلك عدة مرات انقراضات جماعية بسبب اصطدام النيازك والاضطرابات الجيولوجية.
ويظهر غياب التصميم الرحيم أيضاً في حيوات أغلب الكائنات القصيرة القاسية. ومن الأوهام أن نظرية التطور نفسها أفقدت داروين إيمانه. بل كانت مراقباته الدقيقة للطبيعة طوال حياته. ففي عام 1860 كتب إلى عالم النبات آسا غراي أنه لا يستطيع أن يرى، كما يرى غيره، دليلاً على التصميم والرحمة في كل ناحية، وأنه يبدو له أن في العالم بؤساً كثيراً، وأنه لا يستطيع أن يقنع نفسه بأن إلهاً رحيماً قادراً على كل شيء كان سيخلق عمداً دبابير الإكنيومونيدا لتتغذى يرقاتها داخل أجسام اليرقات الحية، ولا قطة تلهو بالفئران. وكتب دوكينز مؤخراً أن الكون يتصف تماماً بما نتوقعه إن لم يكن في أصله تصميم ولا غاية ولا شر ولا خير، بل لا شيء سوى اللامبالاة القاسية.
إن الأرض والحياة تبدوان تماماً كما نتوقع أن تبدوا لو لم يكن ثمة إله مصمِّم.
إله الأديان ليس سوى وثنخاف صنعته مخيلات البشر وملأت به فجوة جهلها بكيفية ظهور الكون والحياة.
شكرا لصبركم. قريبا الفصل الرابع






















