ذهانية التعبيرات المجازية – 3

إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)

عندما نقرأ هذه السجعية وحدها نظن ان الساجع يصف مشهد خصومه يوم القيامة وهم مقيدون في الاصفاد. لكن الحقيقة أنه كان يصف أهل مكة عندما هرب للمدينة. نعرف ذلك بقراءة ما قبلها وما بعدها:

لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)

إذن كان يستخدم عبارة في أعناقهم أغلالا في إلى الأذقان استخداما جديا.

لكنه استخدام ذهاني يخرب المعنى ولا يحسنه. بل يخبط الامور فلا ندري ماذا يقصد.

الجملة عبارة عن لغة ذهانية شديدة التفكك. ما معنى جعل في أعناقهم أغلالا إذا كان يريد الحد من حركتهم. الأغلال توضع في اليدين والرجلين للحد من الحركة. لماذا وضع القيود في الأعناق. وضع القيود في الاعناق تستخدم للرقيق وليس للحد من الحركة لكي يتم منع مهاجمتهم له أو تعرضهم لهروبه إلى المدينة. وما معنى فهي إلى الاذقان؟ كيف هي إلى الاذقان؟

وضعنا قيدا في عنقه فهو إلى ذقنه؟؟ هل هذه جملة يقولها شخص عاقل؟

يقول الساجع أن اهل مكة وهو هارب منهم تم ربط اعناقهم إلى ذقونهم بحيث ارتفعت ذقونهم فلم يتمكنوا من رؤيته وهو هارب.

وقد يبدو لمن يريد أن يستخرج صورة معقولة أنه يقصد تم ربط ايديهم إلى أعناقهم

لكن إذا كان يريد قول هذا فقد فشل وأنتج عبارة نيولوجيزمية لا معنى لها وصورة هذيانية لا صلة لها بالواقع. فقال أن القيود وضعت في أعناقهم ثم وصلت للأذقان ولا ندري كيف وهل هي الأغلال التي وصلت للأذقان أم هي الأعناق. ويتابع:

فهم مقمحون؟ مرة أخرى يبدو أن محمد استخدم هذه الكلمة الغريبة غير الشائعة استخداما نيولوجيزميا.

الإقماح هو رفع الرأس وغض البصر طبقا لمختار الصحاح. ولا يوجد لها شاهد آخر من كلام العرب في مختار الصحاح غير هذه السجعية

مشهد هلوسي

ما وصفه محمد هنا كان مشهدا هلوسيا تولد من خوفه الشديد وهو يهرب وقيام الهلاوس بطمأنته. فمن أهم وظائف الهلاوس هو طمأنة المهلوس وتسليته. الساجع رأى أهل مكة وعلى أعناقهم قيود تمتد لاذقانهم وتقمحهم حسب تعبيره بينما الحقيقة لم تكن هناك أية اغلال ولا توجد أغلال تمتد للذقن

بل يبدو أن قريشا كانت تريد خروج محمد من مكة ولا تأبه بملاحقته أو قتله كما توهم هو. والاعتقاد أن الناس يتآمرون عليك يريدون قتلك هي ضلالة اضطهاد بل من أكثر الضلالات شيوعا في الاضطرابات الذهانية

ويعترف الساجع في مكان آخر أن قريش كانت ترضى بهجرته وخروجه كأحد الخيارات

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ

إذن كان إخراجه هو أحد الخيارات المقبولة كما يعترف هنا. لكن لأن المؤامرة كلها كانت مجرد وهم ذهاني وضلالة مؤامرة فإن الساجع لم يدرك معنى أن إخراجه ايضا خيار من الخيارات وسوف يرضي أهل مكة بل ظل خائفا مما ولد مشهدا هلوسيا بوجود سدين يحجبان أهل مكة وبوجود أغلال غريبة في أعناقهم تمتد لاذقانهم. وقد تتساءل لماذا اختار العنق؟ فوجود الغل في العنق لن يمنعهم من استخدام ايديهم وارجلهم وقتله لو كانوا يريدون؟ لو كان محمد يكذب وليس يتوهم لقال أن الاغلال كانت في ايديهم أو أرجلهم ولكنه كان موهوما يصدق هلاوسه ويرويها كما وردت. وقد وردت هكذا

في الحقيقة لو كانت قريش تريد قتل محمد لقتلته منذ زمن طويل لكنهم عاملوه كدوريش مجنون وكانوا يسخرون منه وكان الاطفال يرمونه بالحجارة والقاذورات كأي مجنون ولم ير اي شخص أنه يستاهل القتل. ولعل قتل المجنون كان عارا عند العرب اساسا



تخبط أهل التأويل

وعندما بحثت في محاولات المفسرين وجدت أنهم يحاولون إعطاءها اي معنى لاصلاح العبارة ويرتجلون من رؤوسهم فيقولون عبارات مختلفة عن بعضها كثيرا تظهر بأدنى تأمل أنها مجرد تخمين. وهذه بعض العينات:

ا

فَهُمْ مُقْمَحُونَ: أي فهم مغلولون عن كل خير .

ب

وقوله( فَهُمْ مُقْمَحُونَ ) والمقمَح هو المقنع، وهو أن يحدر الذقن حتى يصير في الصدر.

ج

المقمح هو الغاض بصره بعد رفع رأسه.

د

عن مجاهد، في قوله( فَهُمْ مُقْمَحُونَ ) قال: رافعو رءوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم

وهكذا نرى تخبط المفسرين وكيف أن تفسيراتهم مجرد تخمين يتناقض مع بعضه بعضا.

الحقيقة بسيطة. هذه نيولوجيزم. والنيولوجيزم هو اضطراب لغة ذهاني إذ يقوم المريض بتأليف كلام لا يفهمه سواه ويستخدم المفردات استخداما خاصا به ويتشوه المجاز تشوها شديدا فيصير فارغا من أي معنى قابلا للتخمين والترقيع والطرق والسحب والاختلاف بين من يحاول أن يفسره ليستخرج منه معنى معقولا.

ففي نهاية الأمر هو يتكلم عن أهل مكة وكيف أنهم لن يؤمنوا سواء أنذرهم أم لم ينذرهم (هذه نبوءة كاذبة فقد آمنوا فيما بعد كلهم تحت حد السيف) ثم يقول جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان ومن بين ايديهم سدا ومن خلفهم سدا. وكما نرى لا يوجد أي محل منطقي لعبارة جعلنا في أعناقهم أغلالا. استخدمها مجازيا ليوصل معنى محددا لكنه لم يوصل أي شيء

منتج السجعية

هذه السجيعة إضافة إلى الاضطراب اللغوي الذهاني والمشهد الهلوسي تخبرنا بالتالي: عند هروب محمد من مكة قام الله ببناء سدين يحجبانهم كما قام بوضع أغلال على أعناقهم فهي إلى الاذقان فهم مقمحون.

وهذه إخبارية كاذبة. فهذا لم يحدث. وبأخذ اضطراب ذهان النبوة بالاعتبار فهو مشهد هلوسي حدث فقط في دماغ الساجع لكنه لم يتمكن من التفريق بين الواقع والوهم فاعتبرأنه حدث في الواقع

وكما كذب التنبؤ بالمستقبل من أن اهل مكة لن يؤمنوا سواء أأنذرهم أم لم ينذرهم كذب الإخبار عن الماضي بأنهم تم وضع أغلال في أعناقهم

وقد أدرك الكهنوت ذلك جيدا فقام بترقيعات عدة عن طريق التأويل وإعادة التأويل ومحاولة الادعاء بمجازية التعبير وغير ذلك من المحاولات الترقيعية

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: