تآكل الذاكرة وتناقض المبدأ الذهاني

المصدر: كتاب ذهان النبوة –

يظهر تأثير مرور الوقت على الذاكرة عند كل الناس. لكنه في الشخص الذهاني يمس أفكارا جوهرية وأنظمة معرفية بنى عليها نظرته للمحيط والعالم الخارجي فتظهر مبادؤه وقد تناقضت وأفكاره وفد تغيرت جذريا

مثال 1

لنتأمل هذا المثال. الساجع يقرر مبدءا مهما وهو أن الله يأمر بالفحشاء بل الشيطان هو من يفعل ذلك:

قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) الاعراف

وايضا:

وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ..(21) النور

ولكن نجده في مكان آخر وفي زمن آخر ينقض هذه الفكرة ويجعل الله يقوم بدور الشيطان

وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) الاسراء

لم ينقض مبدأ أسسه مسبقا فقط وهو أن الله لا يأمر بالفحشاء بل وجعل الله يتعامل بخبث ومكر شيطاني فيستدرج الناس من أجل أن يوجد مبررا لإهلاكهم وكأنه قوة استعمارية تريد أن تغزو بلدا فتضع له فخا لتجد الذريعة. وقد أكد المكر الشيطاني لله في مكان آخر: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون.

هذا التناقض سببه التآكل الزمني للذاكرة. وبسبب عدم فهم المفسرين لمرض محمد وافتراضهم مسبقا بدون أي تحقق أن القرآن كلام الله نجدهم يتخبطون في الترقيع. فمنهم من يتجاهل التناقض وكأنه لا يوجد. ومنهم من يضع شرط الاستثناء الإرادي فيقول لا يأمر بالفحشاء (إلا إذا أراد اهلاك قرية).

ومنهم من يبني ترقيعه على اللفظة فيقول الفحشاء ليست الفسق. وكأن المهم هو الحروف وليس المحتوى والمعنى. وهناك ترقيعات أخرى كثيرة. الترقيع متوقع فلا يمكن لهم أن يسلموا أنهم كانوا سذجا وضحك عليهم شخص مضطرب القدرات الذهنية.

مثال 2

المثال الثاني سناخذه من قصة آدم. نجد في القصة القرآنية أن الله قبل أن يخلق آدم كان يريد أن يجعله في الأرض.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ .. (30) البقرة

هذا يعني أن الله قبل خلق آدم كان غرضه من العملية انزال آدم للأرض.

ومع تطور الأحداث يظهر أن الله نسي غرضه من العملية ولولا أن آدم غلط ووقع في فخ الشجرة لكان ظل في الجنة

وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ..36  البقرة

أما ترقيعها من قبل الكهنوت فهو أنه لا يوجد تناقض. كان الله مبيت النية على انزال آدم منذ البداية واخبر الملائكة لكنه لم يخبر آدم وضحك عليه فقال له اسكن الجنة وهو ناوي وضع فخ له. فوضع له شجرة محرمة بالقرب منه ووضع فيه حب الفضول الذي سيدفعه للوقوع في الفخ وبالتالي يتحقق غرضه الاساسي ويتم انزال آدم كما كان مقررا لكن بمسرحية إلهية غريبة

يا للهول. الترقيع بحد ذاته جنون. لنتابع أمثلة اخرى

مثال 3

يقول الساجع أن الله سيحشر الكفار صما وبكما وعميا. لا يرون لا يسمعون لا يتكلمون.

وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) الاسراء

لكنه في السورة نفسها كان قد سبق وقال العكس

وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) الاسراء

لا شك أن مؤسسة الكهنوت لديها ترقيع معلب جاهز طورته على مدى 14 عشر قرنا من تسويق الوهم المقدس لكني لم أطلع عليه بعد

تكرر هذا التناقض مرات. مرة يقول لا ينطقون

هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) المرسلات

ومرة يقول ينطقون:

بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28)

ما السبب في هذا التناقض؟ إنها ذاكرة الذهاني. تتحول من وضعية لوضعية حسب الصورة التخيلية في دماغه للسيناريو. فإذا كان مزاجه غاضبا وانتقاميا جعلهم صما بكما عميا يساقون مباشرة لجهنم لا سؤال ولا جواب وإذا كان مزاجه ساخرا متشفيا يجعلهم يتكلمون ليظهر عليهم الندم والحسرة. دماغه في وضع الانتقام سيخرسهم لكن في وضع أحلام اليقظة سيتركهم يعبرون عن ندمهم

مثال 4

يقرر الساجع مبدأ إلهيا وهو أنه لا يمكن لاي نفس أن تؤمن إلا بعد أن يأذن الله لها

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ…. يونس

هذا المبدا يتناقض مع كل شيء آخر حتى مهمة ارسال نبي. يستطيع الله أن ياذن وينتهي الأمر بدل اللف والدوران وتعذيب الناس

لكن الأغرب من ذلك أنه في سجعية أخرى يستغرب لماذا لا يؤمنون

فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) الانشقاق

لا شك أن لها ترقيعا معلبا جاهزا لدى الكهنوت. أنا شخصيا أرى الترقيع اكثر جنونا من السجعية نفسها. كان عليهم فقط كشف الغشاوة ورؤية الحقيقة كما هي

مثال 5

المثال التالي يشرح بنفسه بنفسه ولا يحتاج لشيء من الشرح. يقرر مبدءا مشابها للأول وهو أن الشرك لا يتم إلا بمشيئة الله

وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106)وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) الانعام

وعندما قام المشركون بتذكير الساجع بهذا المبدأ وأنه لو شاء الله ما أشركوا كانت المفاجأة الكبرى التي تجعلهم كلهم يقولون له يا ايها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون – إذ قال في نفس السورة بعد حوالي 30 سجعية أخرى:

سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) الانعام

ما سبب هذا التآكل في الذاكرة والتناقض في المبدأ؟

الهلاوس تقدم وظيفة مهمة للمهلوس وهي تطمينه وتثبيت إيمانه الراسخ بضلالاته. في السجعية الأولى كان متضايقا من الناس لعدم تصديقهم لمزاعمه فسمع صوتا يطمئنه ويسليه ويقول له لا تكترث لو شاء الله ما اشركوا.

ردد هلاوسه على مسامع الناس فالتقطوها. عاد بعد أيام يدعوهم أن يصدقوا أنه خير البشر والمختار من السماء ليكون المنقذ. ذكروه أنه لو شاء الله ما أشركوا. تضايق وانزعج من تحاذقهم فسمع صوتا جديدا يطمئنه ويثبته على أوهام العظمة ويقول له لا تهتم إن هم ألا يخرصون

وكالعادة هناك ترقيع لكل خطأ. وإن هم إلا يخرصون

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: