الله الفرضية الفاشلة – الفصل الخامس-ج1


هذا المقال مبني على كتاب العالم الفيزيائي الشهير فيكتور ج. ستينجر: الله الفرضية الفاشلة – كيف يوضح العلم أن الله لا وجود له – ما يلي هو الجزء 1من الفصل الخامس


الأدلة الكونية: لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء


في الفصول السابقة بحثنا عن الله في ظواهر الحياة والعقل. والآن ننتقل من الأرض إلى الكون ونسأل: كيف ينبغي أن يبدو الخلق الخارق للطبيعة في البيانات؟ فعمل الخالق ينبغي أن يترك علامات في موضعين. ينبغي أن يكون للكون أصل، وأن يكون ذلك الأصل غير ممكن بالوسائل الطبيعية.

ما الذي يُعدّ معجزة؟

لاحظ هيوم منذ زمن بعيد المشكلات المتعلقة بالمعجزات. فالمعجزة قد تكون خرقاً لقانون ثابت، أو حدثاً لا تفسير له، أو مصادفة بالغة الندرة. والأخيران يرجعان إلى الأول، إذ يتعارض كلٌّ منهما مع ما نعرفه.

كما أن العلم يعرف أكثر مما يدرك معظم الناس. فرغم الحديث عن الثورات العلمية وتحولات النماذج الإرشادية، فإن القوانين الأساسية للفيزياء هي في جوهرها نفسها منذ عهد نيوتن. لقد جرى توسيعها، لكن مبادئ الحفظ الكبرى للطاقة والزخم لم تتغير منذ أربعة قرون. وهي سارية في أبعد المجرات وفي الخلفية الكونية الميكروية، أي أنها صالحة منذ أكثر من ثلاثة عشر مليار سنة. وأي خرق لها خلال عمر إنسان واحد يستحق أن يُسمى معجزة. فلو ظهر كوكب جديد فجأة في المجموعة الشمسية لانتُهك حفظ الطاقة، وأمكننا أن نسمي الحدث خارقاً للطبيعة عن حق.

وسأعتمد تعريف اللاهوتي ريتشارد سوينبرن: المعجزة استثناء غير قابل للتكرار من قانون طبيعي. وسأكون كذلك سخياً مع فرضية الله، فأترك الباب مفتوحاً أمام الأحداث التي لا تفسير لها والمصادفات غير المرجحة، وأفحص كلاً منها على حدة. فإن لم تظهر معجزة واحدة حتى بهذا التعريف الأوسع، فلدينا أسس قوية ضد إله يوجّه الأحداث المعجزة.

خلق المادة

حتى أوائل القرن العشرين كانت ثمة حجة قوية بأن الخلق احتاج إلى معجزة. ورغم التوجه العلمي إلى أن المادة لا تُخلق ولا تُفنى، إلا أن الكهنوت اعتبر أن وجودها يخرق حفظ الكتلة مرة واحدة، عند البداية ولم يقبل المنظرون الكهنوت أن يتواضعوا قليلا ويقولون لا ندري كيف ظهرت المادة. ثم بيّنت النسبية الخاصة لأينشتاين عام 1905 أن المادة يمكن أن تظهر من الطاقة وأن تعود إليها. فالمعادلة

E = mc²

تربط كتلة الجسم بطاقة سكونه، والتفاعلات الكيميائية والنووية تحوّل بين طاقة السكون والطاقة الحركية كل يوم.

إذن فالكتلة لا تخرق أي قانون. لكن ظل للكهنوت ثغرة. من أين جاءت الطاقة؟ هنا كان يمكن تأكيد فرضية الخلق، إما بالرصد وإما بالاشتراط النظري لخرق حفظ الطاقة عند بداية الانفجار العظيم. ولم يحدث أي منهما. فالطاقة الكلية للكون تساوي صفراً، إذ تلغي طاقة الجاذبية السالبة الطاقة الموجبة للمادة. وقد قال هوكينغ ذلك. فضمن أخطاء قياس صغيرة، فإن متوسط كثافة الكون المقيس هو بالضبط ما ينبغي أن يكون لكون نشأ من حالة ابتدائية ذات طاقة صفرية.

وتتنبأ نظرية الانفجار العظيم التضخمي بهذا التوازن، وقد اجتازت اختبارات رصدية كان يمكن أن تدحضها. فوجود المادة والطاقة لم يستلزم خرقاً لحفظ الطاقة. والبيانات تدعم بقوة أن معجزة كهذه لم تحدث. وهذه حالة أخرى يتكلم فيها العلم في مسألة الله. فلو جاءت الكثافة المقاسة مختلفة، لكان لدينا سبب علمي مشروع للظن بأن معجزة كانت لازمة، ولكان ذلك نقطة قوية لصالح الخالق. لكن الدليل العلمي يشير إلى عكس ذلك, لم يحدث خلق ولا يوجد خالق

تطرقنا للمعادلات والبرهان العلمي على ذلك في مقالنا السابق شيء من لا شيئ-موت الوثنخاف

خلق النظام

وثمة تنبؤ ثانٍ لفرضية الخالق يخفق هو الآخر. فلو كان الكون مخلوقاً لوجب أن يكون فيه بعض النظام عند البداية، أي التصميم الذي أدرجه المصمم الأعظم. ويقول القانون الثاني للديناميكا الحرارية إن إنتروبيا النظام المغلق تبقى ثابتة أو تزداد، فإن كان الكون مغلقاً وجب أن يكون قد أُضفي عليه النظام من الخارج في وقت ما. وقبل عام 1929 كانت هذه حجة قوية لخلق معجز. لو كان هناك مصمم فإن التصميم سيكون موجودا من اللحظة الأولى. لا داعي للفوضى والاضطراب

وفي ذلك العام أعلن هابل أن المجرات تتباعد عن بعضها، وهذا يعني أن الكون يتمدد. ويمكن لكون متمدد أن يبدأ في فوضى تامة ومع ذلك يشكّل نظاماً موضعياً دون أن ينقض القانون الثاني. تأمل رجلاً يرمي القمامة من النافذة ويظل يشتري الأرض حول بيته. إنه يحتفظ ببيته مرتباً على حساب الفوضى في مكان آخر. وبالطريقة نفسها تصبح أجزاء من الكون منظمة بتصدير الإنتروبيا إلى فضاء يتسع باستمرار. فالإنتروبيا الكلية ترتفع مع نمو الكون، لكن الحد الأقصى الممكن يرتفع أسرع، فيترك مجالاً متزايداً للنظام. وهذا الحد الأقصى هو إنتروبيا ثقب أسود بنصف القطر نفسه، والكون المتمدد ليس ثقباً أسود.

فلنتتبع الأمر رجوعاً إلى زمن بلانك،

6.4 × 10⁻⁴⁴ ثانية

حين كان الكون محصوراً في كرة بلانك، أصغر منطقة يمكن تعريفها عملياً. وكرة كهذه معادلة لثقب أسود، فإنتروبيتها كانت في أقصى ما يمكن لشيء بهذا الصغر. وأنا أقول إن الإنتروبيا كانت قصوى عند البداية وارتفعت منذ ذلك الحين، وهذا هو الحاصل. فقد كان الكون ثقباً أسود حينها وليس كذلك الآن.

ويعترض البعض بأنه ليست لدينا نظرية للجاذبية الكمومية للأزمنة الأسبق. لكننا نعرّف الزمن تعريفاً عملياً، بأنه ما تقرؤه الساعة. فقياس فترة أقصر من زمن بلانك يتطلب منطقة أصغر من طول بلانك، وبحسب مبدأ عدم اليقين تكون هذه المنطقة ثقباً أسود لا تفلت منه معلومات. فلا يمكن إذن تعريف فترة أقصر. ونحن نمدّ معادلاتنا عبر فترات ضئيلة في الحاضر بصورة معتادة، ويمكننا أن نفعل ذلك عبر فترة بلانك الأولى إلى النقطة التي يبدأ عندها وصفنا للانفجار العظيم.

وعند تلك النقطة كانت الإنتروبيا قصوى، والفوضى تامة، ولم تكن هناك بنية. لقد بدأ الكون في فوضى بلا تصميم فيها. فالنظام المعقد الذي نراه اليوم لا يمكن أن يكون نتيجة تصميم أولي. والكون لا يحتفظ بأي سجل لما سبق الانفجار العظيم، والخالق، إن وُجد، لم يترك أثراً. وكأنه لم يكن موجوداً. وجوده كعدمه بالنسبة للكون كما هو لأي شيء آخر

ومرة أخرى كان يمكن أن تأتي النتيجة مختلفة. فلو كان الكون سبعا طباقا وسقفا مرفوعا وأرضا موضوعة وما بينهما، كما صورته الكتب المقدسة، لاقتضى القانون الثاني أن إنتروبيته كانت في الماضي أقل من حدها الأقصى. ولكان كون له بداية قد بدأ في حالة نظام عالٍ مفروضة من الخارج، وحتى الكون الأزلي كان سيزداد انتظاماً كلما نظرنا إلى الوراء، بنظام يتحدى التفسير الطبيعي.

البداية والسبب

يرى بعض العبوديين أن الانفجار العظيم وحده يثبت وجود خالق. فقد أعلن البابا بيوس الثاني عشر عام 1951 أن الخلق تم في الزمن، وإذن فالله موجود. أما جورج لومتر، الكاهن الفلكي الذي اقترح الانفجار العظيم أول مرة، فنصحه بحكمة ألا يصف العبارة بأنها معصومة.

ويقدم ويليام لين كريغ صيغاً أكثر تطوراً. إحداها تستند إلى نظرية الشذوذ لهوكينغ وبنروز عام 1970، التي تقضي بأن النسبية العامة تستلزم كثافة لانهائية عند الزمن صفر، حيث يتوقف الزمن فلا يمكن أن يوجد زمن أسبق. لكن هوكينغ تراجع لاحقاً عن ذلك البرهان وقال إنه لم يكن في الواقع ثمة شذوذ عند بداية الكون، ووافقه بنروز. وتخبرنا ميكانيكا الكم أن النسبية العامة تنهار دون زمن بلانك وطول بلانك، فلا يمكنها أن تقتضي شذوذاً قبل زمن بلانك.

وثمة حجة أخرى تقول إن كوناً عمره لانهائي كان سيحتاج زمناً لانهائياً ليبلغ الحاضر. وقد أجاب كيث بارسونز بأن كوناً عمره لانهائي ليست له بداية أصلاً، لا بداية قبل زمن لانهائي. ففي الفيزياء اللانهاية اختصار لعدد كبير جداً، والزمن عدّ لنقرات الساعة. ويمكننا أن نعدّ إلى الأمام دون أن نبلغ اللانهاية، فلا ينتهي الزمن، وأن نعدّ إلى الوراء دون أن نبلغ اللانهاية السالبة، فلا يبدأ الزمن. ويمكن دائماً لحدث أن يتبع حدثاً أو يسبقه.

ويعتمد كريغ كذلك على حجة الكلام: كل ما يبدأ وجوده له سبب، والكون بدأ وجوده، إذن فللكون سبب. وقد اعترض عليها الفلاسفة على أسس منطقية، لكنني سأقتصر على العلم. يرى كريغ المقدمة الأولى بديهية من التجربة اليومية، وهي النوع من التجربة الذي يقول لنا إن الأرض مسطحة. أما على المستوى الذري فالأحداث لا سبب واضحاً لها. فالذرة المثارة تبعث فوتوناً وتنحل النواة المشعة دون سبب يمكن تحديده. ويردّ كريغ بأن هذه الأحداث «مسببة» «احتمالياً»، لكن ذلك يسلّم بأن السبب قد يكون تلقائياً وغير محدد سلفاً، وهذا يقوّض حجته لخلق محدد سلفاً.

وميكانيكا الكم تتنبأ بإحصاءات المجموعات بدقة عالية، كعدد النوى التي ستنحل في عينة خلال زمن معين. ولا تقول شيئاً عن أي حدث فردي. ومنحنى الانحلال الأسي هو ما نتوقعه تماماً إن كان لكل فترة الاحتمال نفسه للانحلال، فكل انحلال لا يمكن التنبؤ به وليس محدداً سلفاً. والاستثناء الوحيد هو تفسير ديفيد بوم، الذي يفترض قوى دون كمومية غير مكتشفة تتطلب اتصالات أسرع من الضوء، ولم يوجد أي دليل على هذه القوى. وحتى لو كان للكون سبب، فلماذا لا يكون ذلك السبب طبيعياً؟ إن حجة الكلام تسقط قبل أن نبلغ مقدمتها الثانية.


سلسلة الفرضية الفاشلة

الله الفرضية الفاشلة – الفصل الرابع-ج3

هذا المقال مبني على كتاب العالم الفيزيائي الشهير فيكتور ج. ستينجر: الله الفرضية الفاشلة – كيف يوضح العلم أن الله لا وجود له – ما يلي هو الجزء 3 من…

الله الفرضية الفاشلة – الفصل الرابع-ج2

هذا المقال مبني على كتاب العالم الفيزيائي الشهير فيكتور ج. ستينجر: الله الفرضية الفاشلة – كيف يوضح العلم أن الله لا وجود له – ما يلي هو الجزء الثاني من…

الله الفرضية الفاشلة – الفصل الرابع-ج1

هذا المقال مبني على كتاب العالم الفيزيائي الشهير فيكتور ج. ستينجر: الله الفرضية الفاشلة – كيف يوضح العلم أن الله لا وجود له البحث عن عالم يتجاوز المادة منذ ظهور…

الله الفرضية الفاشلة – الفصل الثالث

هذا المقال مبني على كتاب العالم الفيزيائي الشهير فيكتور ج. ستينجر: الله الفرضية الفاشلة – كيف يوضح العلم أن الله لا وجود له.  هذا المقال طويل لتغطيته جوانب كثيرة حول…

الله الفرضية الفاشلة – الفصل الثاني

هذا المقال مبني على كتاب العالم الفيزيائي الشهير فيكتور ج. ستينجر: الله الفرضية الفاشلة – كيف يوضح العلم أن الله لا وجود له. هل يستطيع العلم اختبار وجود الله؟ إذا…

الله الفرضية الفاشلة – الفصل الأول

هذا المقال مبني على كتاب العالم الفيزيائي الشهير فيكتور ج. ستينجر: الله الفرضية الفاشلة – كيف يوضح العلم أن الله لا وجود له. لعدة قرون، حاول الكهنوت جاهدا حصر النقاش…

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.