الله الفرضية الفاشلة – الفصل الرابع-ج2


هذا المقال مبني على كتاب العالم الفيزيائي الشهير فيكتور ج. ستينجر: الله الفرضية الفاشلة – كيف يوضح العلم أن الله لا وجود له – ما يلي هو الجزء الثاني من الفصل الرابع

هل تنفع الصلاة أو الدعاء؟


من سمات الإله اليهودي المسيحي الإسلامي المزعومة أنه يستجيب لتضرعات المؤمنين ويتدخل لتغيير المجرى الطبيعي للأحداث. ومع ملايين الصلوات والأدعية يومياً ومليارات عبر التاريخ المدوَّن، كان ينبغي أن يظهر دليل إيجابي قابل للتحقق الموضوعي حتى الآن.

وقد تكون للصلاة أو الدعاء قرب المريض فوائد نفسية، كالاسترخاء وخفض ضغط الدم، لكنها ضئيلة ولا تتميز عن الاسترخاء غير الديني، وتشير بعض البيانات إلى أن الصلاة أو الدعاء قد تزيد قلق المريض. ولكي تُعدّ دليلاً استثنائياً، يجب أن تكون التجارب معمّاة بحيث لا يعرف المرضى ولا الباحثون من يُصلّى لأجله.

كل ما له عواقب قابلة للرصد قابل للاختبار، والصلاة (الدعاء) يزعم على نطاق واسع أن لها عواقب كهذه. فلو كان نوع من الصلاة (الدعاء)  متفوقاً لظهر في معدل نجاح ذي دلالة إحصائية. وكما ورد في الفصل الأول، لو نجحت صلوات الكاثوليك في تجارب دقيقة بينما فشلت غيرها، فلن تفسر ذلك آلية طبيعية معقولة. ولو نجحت صلوات المسلمين وفشلت غيرها فسيكون هناك شيء يستحق الاعتبار.

أحضر عينتين مناسبتين من مرضى سرطان محدد مثلا يكونون بنفس المرحلة ونفس الظروف ويتلقون نفس العناية على أن يكون نصفهم مسلمين مثلا والنصف الآخر ملحدين ثم وفر الصلاة والدعاء للمجموعة المسلمة وليس لمجموعة الملحدين أو حتى اجعلهم يدعون على الملحدين. وخلال فترة زمنية محددة لاحظ  الفرق بين المجموعتين في عدد الذين يشفون. إذا كان هناك فعلا من يسمع الدعاء ويستجيب فسيكون هناك فرق ذو دلالة إحصائية لصالح المجموعة المسلمة. ولكن رغم بساطة هذه التجربة لم يحدث هذا قط. لا يوجد للدعاء أي فرق. بل لا يوجد أي فرق بين الدعاء لصالح المسلمين وبين الدعاء على الكفار. ولعلكم ترون كم الدعاء الهائل على اليهود حتى في رمضان وفي أرض الحرم وفي موسم الحج وكأنهم يدعون حجرا لا يسمع ولا يجيب.

وخلافاً للبيانات الرسمية لبعض المنظمات العلمية، فالعلم غير مقصور على الأسباب المادية. فلو أظهرت البيانات ما لا تفسره المادية التقليدية، لأوجب العلم الجيد والأمانة نشره، ولجاء التمويل حتماً، ويصبح العلماء في غاية السعادة.

وتزعم كتب شعبية كثيرة أن العلم أثبت قدرة الصلاة (الدعاء) على الشفاء. وكل ادعاء منشور بأثر إيجابي يخفق في شرط واحد على الأقل من الشروط التي شرحناها في الفصل الأول.

دراسة كولومبيا – المعجزة

في عام 2001 نشرت «مجلة الطب التناسلي» ورقة من المركز الطبي لجامعة كولومبيا المرموقة تزعم أن النساء العقيمات اللواتي صلّت لهن مجموعات مسيحية حملن ضعف عدد من لم يُصلَّ لهن. وتلقفتها وسائل الإعلام الوطنية. فقد نقل محرر «إيه بي سي» الطبي تيموثي جونسون «النتائج المفاجئة» بسذاجة إلى ملايين المشاهدين في «صباح الخير يا أمريكا»، وربما لا يخلو من الصلة أن جونسون كان أيضاً قسّاً في كنيسة إنجيلية.

وقد أُجريت الدراسة فعلاً في كوريا في معهد يديره أحد المؤلفين المشاركين، كوانغ تشا. قسّمت عشوائياً 219 امرأة إلى مجموعتين، وصلّت مجموعات في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا لإحداهما، بينما ظل الباحثون محجوبين حتى عُرفت النتائج. وبحسب التقرير بلغ معدل الحمل في المجموعة المصلَّى لها 50 بالمئة مقابل 26 بالمئة، بقيمة

P = 0.0013

وبلغ نجاح التلقيح الصناعي 16.3 بالمئة مقابل 8 بالمئة، بقيمة

P = 0.0005

وهذه أفضل بكثير من

P = 0.05

النتائج التي نراها عادةً، ولو صحت لبرّرت محاولات التكرار.

لكن الشكوك ظهرت سريعاً. فقد وصف بروس فلام، طبيب التوليد في جامعة كاليفورنيا في إرفاين، البروتوكول بأنه «ملتبس ومعقد». فإحدى مجموعات الصلاة صلّت للمريضات، وثانية صلّت للمريضات ولفاعلية صلوات المجموعة الأولى، وثالثة صلّت فقط أن «تتحقق مشيئة الله»، أياً كانت. وهذه الالتباسات يمكن إصلاحها في دراسة لاحقة. لكن المشكلة في المشاركين كانت أسوأ.

فأحد المؤلفين، دانيال ويرث، محامٍ لا طبيب، يحمل شهادة في الباراسيكولوجيا وكتب مقالات تزعم وجود أدلة على الشفاء بالإيمان. وقد سُجن لاحقاً بتهمة احتيال شمل استخدام أسماء أموات لمكاسب مالية. وكان المؤلف الرئيسي مذكوراً أصلاً روجيريو لوبو، رئيس قسم التوليد وأمراض النساء في كولومبيا، لكن الجامعة أعلنت أن لوبو لم يعلم بالدراسة حتى أخبره تشا بعد انتهائها بستة إلى اثني عشر شهراً. فسحب لوبو اسمه وقُطعت صلة تشا بكولومبيا. ومع ذلك لم تُسحب الورقة رسمياً قط.

ورغم حدوث التصحيح وانسحاب جامعة كولومبيا إلا كولومبيا ولا المجلة أفصحت عن ذلك بالكامل، وانتشر التصحيح أقل بكثير من الادعاء الأصلي. ولا يزال مروّجو الشفاء بالإيمان، مثل لاري دوسي، يستشهدون بـ«دراسة كولومبيا المعجزة» نموذجاً للتجارب السريرية المضبوطة الداعمة للصلاة مع أنها لم تعد لها أي صلة بكولومبيا. وهي فعلاً نموذجية، بوصفها مثالاً بارزاً على التغافل أحيانا عن التحقق في الادعاءات الاستثنائية.

هل يمكن للصلاة (الدعاء) أن تغيّر الماضي؟

وأُعجب دوسي كذلك بدراسة نُشرت في «المجلة الطبية البريطانية» عام 2001 لليونارد ليبوفيتشي، أفادت بأن الصلاة للمرضى قصّرت مدة بقائهم في المستشفى

(P = 0.01)

ومدة التهاباتهم

(P = 0.04)

والمدهش أن الصلوات أُديت بعد مغادرة المرضى المستشفى، ما يعني أن الصلاة سافرت إلى الماضي.

وليس واضحاً إلى أي مدى قصد ليبوفيتشي أن يؤخذ كلامه بجدية، فقد سخر سابقاً من الطب البديل بوصفه وقواقاً في عش القصب. وأخذ دوسي وبراين أولشانسكي النتيجة بجدية واقترحا التوفيق بينها وبين الفيزياء بالذهاب «إلى ما وراء نظريات الأوتار الفائقة». وقد قيّم هذه الادعاءات كل من ستيفن فيكتور وجيفري بيشوب، الطبيب والمسيحي الملتزم، في المجلة نفسها عام 2004. وبيّنا أن أياً من الدراسات التي استشهدا بها دليلاً مؤيداً ليس ذا دلالة إحصائية، وأن لا شيء في الفيزياء الحديثة يدعم السببية الرجعية من هذا النوع.

وقد كتبنا كثيراً عن إساءة استخدام ميكانيكا الكم لدعم ادعاءات غيبية. ويمكن قراءة بعض تجارب الفيزياء على أنها تُظهر المستقبل يؤثر في الماضي، لكن ذلك على المستوى الكمومي فقط، ولا أساس نظرياً أو تجريبياً له على مقياس التجربة الإنسانية. فلا البيانات القوية ولا أي نظرية قائمة تدعم فكرة أن الصلاة أو الدعاء تؤثر في الصحة، إلى الأمام أو إلى الوراء في الزمن.

دراسة ديوك

وكانت دراستان ذكرتهما سابقاً، عن الصلاة لمرضى القلب التاجي، تدّعيان نتائج إيجابية لكنهما لم تُظهرا أثراً ذا دلالة. وقد تبعتهما تجربتان متقنتان تبدو أنهما تستوفيان كل متطلبات التحقيق السليم. وكلتاهما تجدان أن الصلاة (الدعاء) لا تحسّن الصحة.

الأولى تجربة استمرت ثلاث سنوات بقيادة أطباء من جامعة ديوك، فحصت الصلاة الشفاعية وعلاجات «معرفية» أخرى، منها الموسيقى والتخيل والعلاج باللمس، لدى 748 مريضاً في تسعة مستشفيات. وشاركت اثنتا عشرة مجموعة صلاة من أنحاء العالم، منها مسيحيون من العلمانيين والرهبان، ومسلمون صوفيون، ورهبان بوذيون، بل أُرسلت الصلوات بالبريد الإلكتروني إلى القدس ووُضعت في حائط المبكى. وخُصّص المرضى المنتظرون لرأب الأوعية عشوائياً بالحاسوب، وكانت التجربة مزدوجة التعمية. وأظهرت النتائج، المنشورة في «ذا لانسِت»، عدم وجود فروق ذات دلالة في التعافي بين المجموعات. وفشل العلاج باللمس كذلك، بينما أظهرت التقنيات الأخرى مثل الموسيقى والتخيل بعض الأمل

ولم تُجرَ هذه الدراسة على أيدي «ملحدين ماديين متشككين مغلقي العقول» بل أطباء متدينين يؤمنون بأن بدائل الطب التقليدي جديرة بالسعي. ولا شك فيما كانوا يأملون رؤيته. وقد بدا الباحث الرئيسي ميتشل كروكوف مبتهجاً في البداية وقال لوسائل الإعلام إنه رأى انخفاضاً بنسبة 50 بالمئة في كل المضاعفات. لكن مع نضج البيانات تغيّرت الصورة، ووقّع على خلاصة الورقة بأنه لم يُلاحظ أي أثر للصلاة. أما المؤلف المشارك هارولد كوينيغ، الذي يدير مركز الروحانية واللاهوت والصحة في ديوك وله أكثر من اثني عشر كتاباً عن الإيمان والشفاء، فهو كذلك مؤمن لا يتمنى شيئاً أكثر من دليل على قدرة الصلاة على الشفاء. لكنه عالم أمين وكفء لن يعلن ذلك حتى تبرره البيانات.

مشروع ستيب

وربما كان العمل الحاسم هو مشروع ستيب الضخم، «دراسة التأثيرات العلاجية للصلاة الشفاعية»، الذي نفذته ستة مراكز طبية منها هارفارد ومايو كلينيك بقيادة هربرت بنسون من هارفارد. واستمر قرابة عقد، وشمل 1802 مريض صُلّي لأجلهم على مدى أربعة عشر يوماً تبدأ ليلة جراحة المجازة التاجية.

قُسّم المرضى عشوائياً وبالتعمية إلى ثلاث مجموعات: 604 تلقوا صلاة بعد إخبارهم بأنهم قد يتلقونها وقد لا يتلقونها، و597 لم يتلقوها بعد إخبارهم بالأمر نفسه، و601 تلقوها بعد إخبارهم بأنهم سيُصلَّى لهم حتماً. وقامت بالصلاة مجموعتان كاثوليكيتان ومجموعة بروتستانتية. ويبدو أن الباحثين لم يخطر لهم أن يضيفوا مجموعة من الملحدين يفكرون أفكاراً طيبة.

وبين من كانوا غير متأكدين، حدثت المضاعفات لدى 52 بالمئة من المصلَّى لهم و51 بالمئة من غيرهم، أي بلا فرق ذي معنى. وبين من كانوا متأكدين من تلقي الصلاة، حدثت المضاعفات لدى 59 بالمئة. وكانت الأحداث الكبرى والوفيات خلال ثلاثين يوماً متقاربة بين المجموعات. وخلص المؤلفون إلى أن الصلاة نفسها لم تؤثر في التعافي، بينما ارتبط العلم بتلقي الصلاة بمزيد من المضاعفات. وخمّنوا أن هؤلاء المرضى قلقوا، ربما لظنهم أنهم مرضى بشدة. ولم يقل أحد إن الله يُحبط توقعات الباحثين عمداً، ولا أعدّ هذا الأثر ذا دلالة.

وكان بين الباحثين كاهن كاثوليكي، الأب دين ماريك، الذي قاد جزء مايو كلينيك، ومؤمنون آخرون. وقدمت مؤسسة جون تمبلتون، التي تسعى إلى إيجاد صلات بين الدين والعلم، مبلغ 2.5 مليون دولار، فلا يمكن لوم المتشككين على تدبير نتائج سلبية. فهم لم يشاركوا حتى. وقد حاول الأب ماريك وآخرون تفسير فشل الصلاة لاهوتياً، لكنهم يستحقون الثناء على قبولهم البيانات.

وكما في القدرات النفسية، لم تسفر دراسات القدرة الخارقة للصلاة عن شيء مقنع. فلو كانت الصلاة بالأهمية التي يعتقدها اليهود والمسيحيون والمسلمون لكانت آثارها واضحة وقابلة للقياس. وهي ليست كذلك. وبناءً على الدليل العلمي، لا يبدو أن ثمة إلهاً يستجيب للصلوات بأي طريقة مهمة قابلة للرصد. رب المتدينين علميا غير موجود. إنه كائن وهمي وجوده كعدمه لا يسمع ولا يجيب ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا. إنه وثنخاف تخيلوه تخيلا منذ طفولتهم وأقنعوا أنفسهم توهما بوجوده وعاشوا عبيدا له وهو ليس له وجود


وإلى اللقاء في الجزء الثالث

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.