السجعية الشديدة والتكرار القهري للألفاظ

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49

تزداد السجعية الشديدة في بدايات الاضطرابات الذهانية خاصة إذا صاحبها اضطراب مزاج وأفكار عظمة كالمنقذ للبشرية والمرسل للعالمين والمصطفى للرسالة

وفي سورة الرحمان تظهر السجعية الشديدة في الكلام حيث ترتبط الكلمات والجمل طبقا للجرس الموسيقي في معظم الفقرات دون أي اعتبار للمعنى

وتظهر علامة التكرار القهري للألفاظ كما سأوضح لاحقا. وتسمى في الطب النفسي

verbigeration

وتعرف على أنها التكرار القهري للألفاظ على فترات متقاربة دون إضافة أي شيء للمعنى

ولا ينطبق هذا التعريف على شيء كانطباقه على عبارة فبأي آلاء ربكما تكذبان. فهي تكرر على فترات متقاربة دون أن تعطي أي شيء للمعنى بحيث أنها لو حذفت لن يتغير شيء ولكنها موجودة للربط السجعي. علامة الربط السجعي عند الذهانيين تسمى في الطب النفسي

Clang association

هذه العبارة لا توجد أية حاجة لتكرارها وكان يكفي ذكرها مرة واحدة فقط. ما تبقى ليس سوى تكرار قهري مرضي

وتتجلى سيطرة الرابط السجعي على المعنى في قوله

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

من جهة المكان الوحيد الذي ذكر فيه الساجع أن المسلم له جنتان هو هذه السورة. فقط لأن كلمة جنتان ضرورية للسجع. ومن جهة أخرى تم تكرار هذا المقطع كاملا مع تغير لفظي بسيط بعد ٍسجعيات قليلة في مثال بارز على ظاهرة التكرار القهري للألفاظ عند الذهانيين

في كل الباقي من القرآن هناك فقط جنة واحدة في الآخرة وليس جنتين

ثم شرع في وصفهما فقال ذواتا أفنان. ويلاحظ المرء التكلف. لا داعي لذكر ذلك فالبديهي أن كل مكان مشجر فيه أفنان. لكن الكلمة تناسب السجع والقافية تماما

وأكمل وصف الجنتين

فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53)

لاحظ التكلف في الكلام الذي يمكن ايصاله بألف طريقة بسيطة غير هذه

وتأمل هذه العبارة

مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54)

لاحظ اضطراره للقول وجنى الجنتين دان. وكان يمكن أن يقول وثمارهما في متناول اليد . لكن الوزن سيتم كسره فاضطر لتعقيد اللفظ هكذا ليتناسب مع السجع والوزن والقافية

فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57)

كالعادة تركيز الساجع على الجنس مع العذارى. كان شيئا محروما منه هو شخصيا حتى وقت متأخر من عمره فظهر في أمنياته. وهلاوس الذهاني تعبر عن أمنياته

(ما كان لنبي إذا تمنى إلا ألقى الشيطان في أمنيته)

الطمث هو الدم الخارج من الفرج. لأن العذراء قد يحصل لها ذلك في أول معاشرة جنسية. الملفت للنظر إيمان الساجع أن الجن يمكنهم ان يمارسوا الجنس مع العذارى

الساجع كان يؤمن بالجنس مع الجن. وإيمانه بها كان عن ضلالة ذهانية وليس عن خرافة متوراثة

لا داعي للقول أن الجنس مع الجن خرافة لكن المسلم مهما تظاهر بالمنطق تراه في هذه المواضع يسارع للترقيع والسمكرة ويحولها إلى إعجاز علمي وبلا بلا بلا

ثم تظهر علامة التكرار القهري الذهاني للألفاظ بشكل صارخ في السجعيات التالية إذ يعيد ذكر الجنتين مرة ثانية مع كل التفاصيل بتغيير الكلمات قليلا. وكأن دماغه أسعفه بألفاظ بديلة للقافية فكرهت نفسه أن يهملها أو يرميها فأعادها مع اختلاف طفيف

هذه علامة التخزين القهري للألفاظ

Obsessive hoarding

وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67)

تكرار مطابق للمقطع السابق مع تغيير بسيط في بعض الكلمات. مرة أخرى جنتان. صرن أربع الآن

مدهتان: كثيرتا الاغصان . وهو نفس معنى ذواتا أفنان. تكرار قهري لنفس المعنى بلفظ آخر يحافظ على السجع والقافية

فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ = فيهما عينان تجريان في السجعية الأولى. لا تضيف أي جديد ولا حاجة لها في المعنى

فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69)

فاكهة ونخل ورمان = فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ . لا حاجة لها في المعنى. تكرار لنفس الشيء بألفاظ مختلفة قليلا

حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74)

تكرار قهري لنفس ما جاء سابقا : فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ

فقط بدل قاصرات الطرف صارت مقصورات في الخيام (لم يسعفه دماغه البدوي من التفكير في شيء آخر سوى الخيام)

لم يطمثهن قبلهم إنس ولا جان أعيدت بحذافيرها لسبب الانشغال القهري الوسواسي للساجع بالجنس مع العذارى الذي حرم منه أول خمسين سنة من عمره

هذه المقطوعة يمكنها أن تكون مثالا نموذجيا للتكرار القهري للألفاظ دون حاجة المعنى لها ولهيمنة الرابط السجعي على الكلام لطلاب الطب النفسي لشرح العلامات المرضية في الاضطرابات الذهانية

المصدر: ذهان النبوة – الجزء 2

 

 

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: