brown tree and green leaf

التشبيه التمثيلي في السجع الكهنوتي


في كل اللغات الغرض من التشبيه هو توضيح شيء مبهم وغير واضح كثيرا للمستمع بشيء آخر معروف جيدا.

إذا تم التشبيه بشيء غامض وغير معروف جيدا أو إذا كان المشبه به أكثر غموضا من المشبه فإن هذا اضطراب لغوي وخلل في التواصل اللفظي من قبل المتكلم.

المشبه به يمثل الجزء الحقيقي والواقعي لدى المتحدث .

عندما شبه امرؤ القيس الحصان بقوله: مكر مفر مقبل مدبر معا…كجلمود صخر حطه السيل من علِ. استخدم تشبيها تمثيليا. فكرة أن الحصان مكر ومفر بنفس الوقت ومقبل ومدبر فكرة غامضة. ليست لكل حصان ولا يعرفها أحد غير امرئ القيس. ولذلك وضحها للمستمع بتشبيهها بشيء مشهور وثابت. جلمود من الصخر جرفه السيل من مرتفع عالي. حطه السيل من علٍ هي الخاصية المهمة من خواص الجلمود في هذا التشبيه

وعندما قال بشار بن برد: كأن مثار النقع فوق رؤوسنا…وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه. فإنه أراد أن يوضح للمستمع مشهدا خاصا لم يحدث إلا له ولأصحابه وهو مشهد الغبار المثار في أرض المعركة مع مشهد سيوفهم فشبهه بليل تهاوت كواكبه. تهاوت كواكبه هي الخاصية المهمة لليل في هذا التشبيه. أي أن كثافة الغبار جعلت المشهد مظلما جدا وكانت سيوفهم من لمعانها تضيء في هذا الظلام.  مشهد الليل والكواكب حقيقة بالنسبة للشاعر والتالي للمستمع بينما مشهد الغبار مشهد خاص لا يعرفه سوى الشاعر.

هذا ليس شيئا خاصا بالعربية بل بكل اللغات. المنطق بسيط هنا. لكي توضح شيئا مبهما تقوم بتشبيهه بشيء حقيقي ومعروف

لا يُشَبَّهُ الشيء المبهم الغامض بشيء أكثر إبهاما وغموضا

رؤوس الشياطين

قال الساجع محاولا شرح هيئة شجرة الزقوم

﴿إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ 64 طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ﴾ [الصافات: 64-65]

فشبه طلعها برؤوس الشياطين. وبما أن شجرة الزقوم وهمية من صنع ضلالاته فلا أحد يعرف ماذا يقصد. ولذلك شرح لهم وقال طلعها (الذي لا يعرفه أحد) مثل رؤوس الشياطين (التي لا يعرفها أحد). فشبه شيئا مبهما بشيء خرافي لا وجود له. في إحدى أهم علامات الشذوذ اللغوي الذهاني في السجع القرآني.

لكن كون رؤوس الشياطين خرافة وغير معروفة للناس لا يعني أنها غير معروفة للساجع في خبراته الهذيانية الداخلية. لأن الساجع مذهون. والمذهون يعاني من الهلاوس السمعية والبصرية. وكلام المذهون غالبا ما ينبع من مخزون ذاكرته المسبق. وهو قد يكون رأى هلاوس مخيفة ففسرها برؤوس الشياطين وعلقت الصورة برأسه ولم يسمح له اضطرابه بتبين أن الآخرين لا يعرفون شكل رؤوس الشياطين هذه. الآخرون مثلك عزيزي القارئ ومثل بقية الناس الطبيعيين؟ هل رأيتم يوما رؤوس الشياطين؟ لكنها كانت حقيقة راسخة بالنسبة للساجع لأن المذهون لا يفرق بين الواقع والأوهام

كوكب دري

وفي سجعية أخرى قال مشبها نور الله الذي لا يعرفه أحد بنور مصباح في زجاجة

﴿ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ﴾ [النور: 35]

شبه الزجاجة بكوكب دري يوقد من شجرة. يوقد من شجرة هي الخاصية المهمة للكوكب في هذا التشبيه التمثيلي. وهذا شيء لا وجود له. فلا يوجد كوكب دري (مصنوع من الدر) ولا كوكب يوقد من شجرة زيتونة. الكواكب عبارة عن صخور وتراب وغازات مثل الأرض وهي تعكس ضوء النجوم ولا توقد من شجر الزيتون.

ورغم أن الكوكب الدري غير موجود إلا أن ناظم السجع القرآني جعله مشبها به. أي أنه يعتبره حقيقة ثابتة. بل ويعتقد أن المستمع يعرفها مثله وستوضح له الصورة المبهمة. فارتكب شذوذا لغويا كما أثبت أن القرآن من تأليفه  باعتقاده أن الكواكب توقد من شجر الزيتون. أم تعتقدون أن الله يخطئ في التشبيه؟ ولا يعرف ما هي الكواكب وكيف تعكس الضوء؟

كأنها جان

وقال الساجع في موضع آخر محاولا شرح تحول عصا موسى إلى ثعبان

﴿وَأَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ ﴾ [القصص: 31]

قام هنا بتشبيه شيء خرافي وهو تحول العصا إلى ثعبان بكائن خرافي آخر لا يراه أحد ولا يعرفه أحد وهو الجان.

وقد شق على بعض المفسرين قيامه بتشبيه العصا وهي شيء حقيقي رغم أن تحولها الثعباني خرافي بشيء خرافي فذهب بعضهم إلى الادعاء أن الجان تعني الثعبان. واعترض البعض الآخر لأنه شبه العصا بعد أن تحولت إلى ثعبان فكيف يشبه الثعبان بالثعبان؟ إضافة إلى أن الجان وردت في عدة سجعيات أخرى وكلها تشير فقط إلى الكائنات الخرافية. في الحقيقة هو يرى هلاوس ومنها وردت صورة الجان الذي يهتز في رأسه. وبما أنه ايضا شبه شجرة الزقوم برؤوس الشياطين في مكان آخر فهذا يتفق مع تشبيهه للعصا (وهي جزء من شجرة) بالجان وهو كائن خرافي مثل رؤوس الشياطين. هو ما زال في نفس حوية الشجرة والجني

وفي الختام دعونا نتأمل هذا التشبيه التمثيلي الرائع للمتنبي

أَما تَرى ما أَراهُ أَيُّها المَلِكُ *** كَأَنَّنا في سَماءِ مالَها حُبُكُ

الفَرقَدُ اِبنُكَ وَالمِصباحُ صاحِبُهُ *** وَأَنتَ بَدرُ الدُجى وَالمَجلِسُ الفَلَكُ


التبرع للموقع

يعتمد هذا الموقع على الإنفاق الذاتي وعلى تبرعات المتابعين. تستخدم النفقات لتغطية تكاليف استضافة الموقع ورسوم الدومين وعمليات الصيانة وأجور المبرمجين للتطبيقات الشبكية ومقابل الاستشارات العلمية. إذا أحببت اضغط على الزر أدناه للتبرع عبر باي بال أو بطاقة الاعتماد


Donate Button with Credit Cards


قناتنا على اليوتيوب


ساهم في تبديد الخرافة

شارك المقال مع أصدقائك في تويتر

شارك المقال مع أصدقائك في الفيسبوك
HTML tutorial
شارك المقال مع أصدقائك في الواتسب

ملاحظة : الوثنخاف مصطلح لتسمية الإله الإبراهيمي. ويتكون من شقين الأول وثن وتعني كائن تخيلي يتم افتراضه وتخيله ثم اقناع النفس بوجوده. وهو كائن أخرس ابكم أطرش اصم لا يستطيع أن يقول حتى كلمة بم. والشق الثاني خفي. وتعني غير مرئي وذلك لتمييزه عن الأوثان المرئية مثل هبل والعزي ومناة الثالثة الأخرى

تعريف النبي : في الدين النبي هو شخص يسمع أصواتا لا يسمعها أي شخص طبيعي آخر حتى لو تواجد معه وقتها. ويرى اشياء لا يراها أي شخص طبيعي حتى لو تواجد معه وقتها. ويعتقد أنه المصطفى الذي يصلي عليه الله والملائكة. وهذا التعريف الديني للنبي يتوافق تماما مع التعريف الطبي للاضطراب الذهاني

شارك الآن إن لم تكن قد فعلت من قبل في إحصائية اللادينيين

إحصائية اللادينيين في الموقع

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.