Site icon Quran Debate

لبن لم يتغير طعمه

crop faceless barista frothing milk with steam wand

Photo by Sam Lion on Pexels.com


تخيل أنك في محاضرة تستمع بإنصات شديد لما يقوله محاضر واقف على المنصة . وكان يتحدث للحضور عن سيارة لم يروها من قبل وأراد تقريب الصورة لهم بتشبيهها بشيء ما فقال : مثل السيارة التي وعدناكم بإنتاجها فيها مقاعد مريحة ونظام تحديد مواقع وشاشة ونظام كبح اوتوماتيكي ولكم فيها كل سبل الراحة كمن هو جالس في سيارة معطلة ولا  تنفعهم ولا تلبي رغباتهم

تأملوها جيدا – كان يريد أن يشبهها بشيء ما لكنه انجرف الى مواصفاتها ونسي أنه قال مثل وأنه كان بصدد التشبيه وفي النهاية عندما عاد للتشبيه قال بشكل مضطرب مثلها كمن هو جالس في سيارة قديمة ولا تلبي رغباتهم. وصار كأنه يريد ان يتساءل هل سيارتنا افضل أم السيارة القديمة التي لا تلبي الرغبات. قد يتمكن بعض المستمعين من فهم قصده بمحاولة تخمين ذلك من السياق لان الدماغ يكمل الصور الناقصة لكن المتحدث مضطرب ومنجرف ويفقد القدرة على تثبيط الأفكار الطارئة والتحكم بتدفقها

تمت عباراته في النهاية هكذا: مثل سيارتنا التي مواصفاتها كيت وكيت كمن هو جالس في سيارة معطلة

لا توجد صعوبة في تبين أن هذا المحاضر يفتقد القدرة على التواصل اللفظي السليم. وإذا تكرر هذا النمط في كلامه فإنه مؤشر قوي على إصابته باعتلال عقلي يسبب خللا في التواصل اللفظي

هذه كتلك

يقول ساجع القرآن في موقف حقيقي مطابق تماما للمثال أعلاه

مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15)

لا شك أن الصورة اتضحت لكم. فلا يستطيع أي شخص موضوعي ألا يرى الخلل. فقط العبدة يغالطون أنفسهم ويبحثون عن تأويلات ترقيعية

يميل عبدة الوثنخاف للإنكار خوفا من التغيير ونتيجة لغسيل الدماغ المبكر

الشذوذ اللغوي الذهاني علم حديث النشأة لتشخيص اضطرابات الذهان عن طريق اللغة المكتوبة والمنطوقة. وخلال سنوات قليلة قادمة سيكون هو الاساس في التشخيص والتقييم والمتابعة. ويمكن تطبيقه على أي نوع. كلام مكتوب أو منطوق , فوري أو مسجل أو مأرشف

من سياق هذه السجعية واضح أن مؤلفها كان يريد أن يقول أن من هو في الجنة ليس كمن هو في النار فأجبره اضطرابه العقلي على القول مثل الجنة التي مواصفاتها كيت وكيت كمن هو خالد في النار. اضطراب اللغة علامة رئيسية في الذهان إلى جانب الضلالات والهلاوس

التشبيه والذهان

تقل القدرة على التفكير المجرد في الذهان وتطغى الحسية. وعند بناء عبارة مجردة كالتشبيه ينجرف المريض للصورة الحسية ويفقد القدرة على كبح الكلام المتدفق وينجرف للأمام. وهذا ما يعرف علميا بمصطلح

Lack of proactive inhibition.

مثال عليه على السريع ما يلي: يأتي شخص إلى مكتبك ويجدك تعد لنفسك القهوة فترد اوتوماتيكيا صورة القهوة في ذهنه ويرد معها لفظ المنبهات والمثيرات لأنها منبه ومثير فيقول مازحا أو جادا :

هل أنت تستخدم هذه الأشياء المثيرة للانتباه؟

لاحظ أن الجملة اكتملت عند قوله المثيرة : هل أنت تستخدم هذه الأشياء المثيرة؟ كلمة للانتباه حدثت بسبب عدم قيامه بالتثبيط. متعمدا كمن يمزح وأورد الكلمة عندما خطرت بباله على سبيل لفت النظر للتشابه بين التعبيرات. وآليا إذا كان مضطربا ويعاني من عدم القدرة على التثبيط التقدمي.

في الذهان يظهر الشذوذ على أسلوب التشبيه في عدة صور : الارتباك بين المفرد والجمع , الاستغراق الوسواسي في أحد العنصرين المشبه أو المشبه به , عدم وجود وجه شبه , أو تشبيه الغامض بما هو غامض ايضا لأن الغرض من التشبيه في كل اللغات توضيح الصورة حيث يشبه شيء غير معروف للمستمع بشيء معروف وواضح لكي يزول الغموض وتتضح الصورة

في الذهان يحدث العكس. فيشبه المريض شيئا معروفا مثل طريقة نظر الخائف مثلا بشيء غير معروف أو وهمي ولا وجود له مثل دوران عيون المغمى عليه من الموت

أو يقوم المذهون بتشبيه شيء وهمي غير معروف للناس مثل شكل شجرة الزقوم أو اهتزاز العصا السحرية بشيء وهمي أكثر غموضا موجود فقط في عالمه الهذياني الخاص كرؤوس الشياطين أو رقصات الجان

وفي حالات الاضطراب الشديد قد يشبه المذهون الشيء بعكسه الذي لا يشبهه إطلاقا على غرار: مثل الجنة التي مواصفاتها كيت وكيت كمن هو خالد في النار

اضطراب السجعية

في السجعية أعلاه نلاحظ أنه يريد توضيح صورة الجنة. الجنة كيان تخيلي لم يره أحد من المستمعين وحدثهم الساجع أنها موجودة بعد الموت في مكان ما. ولذلك هي شيء غامض وغير معروف

نجده بدأ بأسلوب تشبيه أداة التشبيه فيه هي كلمة مثل. فقال لهم مثل الجنة. يتوقع من الشخص السليم أن يقول مثل الجنة التي وعدتكم بها كمثل حديقة غناء غنية بالفاكهة والماء والثمرات طقسها جميل ووقتها أصيل الخ الخ الخ.

وقد بدأ الساجع بداية تشبيهية : مثل الجنة التي وعد المتقون — لكنه انجرف بسرعة غارقا في صورة حسية هيمنت على كل تفكيره فنسي أنه بصدد تشبيهها بشيء ما وغاب في مشهد هلوسي. وهذا ما يحدث للذهانيين. يدخل مشهد هلوسي لا يراه غيره ويسيطر على الصورة. والدليل على أن المشهد هلوسي هنا هو اقتصار المشهد على صور من مخزون المتكلم ومن واقع ثقافته لا يتعداه. وهذا ما حدث هنا. فقد انجرف في إعطائها صفات تتناسب مع محدودية خياله ومع متطلباته الشخصية – متطلبات شخص يعيش في الجزيرة العربية قبل 14 قرنا: أنهار من ماء غير آسن – هذا شخص يعاني من قلة الماء في الصحراء ومن ركوده وتعفنه فصار قمة أمنياته وغاية النعيم لديه نهر ماء غير آسن

وأنهار من لبن لم يتغير طعمه – هذا شخص انتفخت بطنه من اللبن الحامض بسبب ارتفاع الحرارة في الصحراء فصار غاية أمنياته وقمة نعيمه الحصول على لبن غير حامض

وتستمر الصورة من مخزون ثقافته : خمر لذيذ وعسل. صورة بدائية تماما من واقع بيئته. لا داعي للقول أن هذه الأمور ليست شيئا للانسان المعاصر

وغرق الساجع كلية في المشبه. ضاع تماما في الصورة الحسية للجنة التي ولدها مشهد هلوسي ونسي أنه قال مثل الجنة. ولم يعد للغاية التي بدأها. انجرف وفقد القدرة على تثبيط الافكار المتدفقة بسبب دخوله في هلوسة بصرية وانجرف من التشبيه بعيدا إلى صورة حسية طاغية. طغى على تفكيره هم التخلص من الماء الآسن واللبن الحامض وتوفير الثمرات والخمر والعسل المصفى

ثم حصل الاستدراك وعاد للتشبيه لكن بشكل مجنون تماما فقد شبه الجنة بالنار. هذا استدراك ذهاني. وهو شائع في لغة الذهانيين. لقد فاجأ الكل وقال : كمن هو في النار خالدا فيها

طبعا نسي أنه كان في صدد التشبيه وتحول مجرى الكلام إلى استفهام استنكاري. خيل له أنه يريد أن يقول : أمن هو في الجنة كمن هو في النار؟ ولأن سجعيات محمد عبارة عن أصوات كان يسمعها تعرف طبيا بمسمى الهلاوس السمعية فقد آمن أنها وحي ومررها لأصحابه ولم يتعب نفسه بإصلاحها

نستطيع أن نستنتج من السياق أنه انجرف من غاية التشبيه إلى المقارنة والاستنكار. وذلك بسبب أن الدماغ البشري يميل لاصلاح الخلل في المدركات وإكمال النواقص لاعطائها معنى صالحا. وهذا ما يحدث عندما يفهم الناس لغة المريض الذهاني رغم شذوذها لأنهم يستطيعون تخمين ما يقصد وتقوم أدمغتهم باكمال الصورة واستنتاج المقصود

لكن علميا هذا انجراف شديد. يعرف في الطب النفسي بلفظة

Derailment/lack of proactive inhibition

خرج من إطار التشبيه إلى المقارنة. جرفته الالفاظ وجرت بعضها بعضا بينما تشتت المعنى واندثر. الجنة التي وعد المتقون كمن هو خالد في النار. صارت الجنة هي المشبه والكاف هي أداة التشبيه (رغم وجود مثل في البداية لكن طول الجمل أنساه وجودها) وصار الخالد في النار هو المشبه به. ووجه الشبه غير موجود. فلا وجه شبه بين العنصرين المتناقضين تماما

هذا مثال نموذجي للتشبيه الذهاني يصلح معيارا تعليميا للشذوذ اللغوي في كلام الذهانيين.

عود على بدء

ثم ظهر الاضطراب مرة ثانية في مقطع : كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ

الشذوذ الأول الارتباك بين المفرد والجمع. من هو خالد وردت كمفرد. ثم ارتبك وتحدث عنها كجمع : وسقوا , أمعاءهم. نتوقع من الشخص السليم أن يقول : من هو خالد في النار سقي ماء حميما فقطع أمعاءه. ولا نتوقع : كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ. هذا اضطراب تواصل لفظي نتوقعه من الشخص المذهون.

مضطرب تماما مثل قول رجلنا في بداية المقال : كمن هو جالس في سيارة معطلة ولا  تنفعهم ولا تلبي رغباتهم

ثم ظهر شذوذ آخر : فقد الصورة المجردة مرة أخرى وانجرف في مشهد حسي وتقوقع من التعميم إلى شيء محدد : وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم. هذي ضمنية مفرطة. يغرق المريض في صورة حسية وينحبس في تفاصيل التفاصيل. كمن هو خالد في النار أعطى معنى أن الكافر بمحمد يحترق في النار للأبد. ما دام في النار فهو يحترق. جلده أمعاؤه كل أعضاء جسده. وأكيد ماؤه ساخن يغلي. إذا كان يغلي عند درجة حرارة مائة مئوية فما بالكم بنار جهنم الأسطورية؟ ولا حاجة للمعنى لأن يتقوقع في صورة حسية تافهة جدا : وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم

وبتأمل قليل يتضح أن هذه ايضا صورة هلوسية دخلت المشهد. كان الساجع يرى هلاوس بصرية عن الجنة واللبن غير الحامض والبقية. وذكر الجنة مرتبط في دماغه ودماغ اي انسان بالنار. فمن يخطر بباله الجنة سيخطر بباله النار بجوارها. لكن الشخص السليم لديه القدرة على تثبيط جماح الافكار وعدم الانجراف عكس المذهون

لاحظ عزيزي واو العطف في قوله وسقوا. تنفر منها الأذن وتشعر أنها شاذة وفي غير مكانها. فعلام تم العطف؟ لا يوجد فعل في الجملة قبلها ليعطف عليه الفعل سقوا. في الحقيقة يشير واو العطف إلى موقف ديناميكي متسارع تتعاقب أحداثه في دماغ الساجع : كمن هو خالد في النار وسقوا ماء الخ الخ الخ. عندما قال كمن هو خالد ظهرت له صورة شخص في النار فقال كمن هو خالد في النار. ثم صاروا أشخاصا وصارت هناك أحداث تتوالى فقال وسقوا ماء حميما الخ الخ حسب الصور التي تتراءى له. قال وسقوا لأن الفرد صار أفرادا ولأن هناك أحداث وقعت في مشهده الهلوسي قبل الشرب وعطف عليها الفعل سقوا لكنه فقدها في الكلام. يحدث هذا كثيرا في اللغة الذهانية. يعرف هذا ب فقدان معلومات الربط


المزيد من التشبيهات الذهانية في السجعيات القرآنية



التبرع للموقع

يعتمد هذا الموقع على الإنفاق الذاتي وعلى تبرعات المتابعين. تستخدم النفقات لتغطية تكاليف استضافة الموقع ورسوم الدومين وعمليات الصيانة وأجور المبرمجين للتطبيقات الشبكية ومقابل الاستشارات العلمية. إذا أحببت اضغط على الزر أدناه للتبرع عبر باي بال أو بطاقة الاعتماد




نزل تطبيق الموقع لأجهزة الأندرويد. معكم أينما كنتم


قناتنا على اليوتيوب



ملاحظة : الوثنخاف مصطلح لتسمية الإله الإبراهيمي. ويتكون من شقين الأول وثن وتعني كائن تخيلي يتم افتراضه وتخيله ثم اقناع النفس بوجوده. وهو كائن أخرس ابكم أطرش اصم لا يستطيع أن يقول حتى كلمة بم. والشق الثاني خفي. وتعني غير مرئي وذلك لتمييزه عن الأوثان المرئية مثل هبل والعزي ومناة الثالثة الأخرى

تعريف النبي : في الدين النبي هو شخص يسمع أصواتا لا يسمعها أي شخص طبيعي آخر حتى لو تواجد معه وقتها. ويرى اشياء لا يراها أي شخص طبيعي حتى لو تواجد معه وقتها. ويعتقد أنه المصطفى الذي يصلي عليه الله والملائكة. وهذا التعريف الديني للنبي يتوافق تماما مع التعريف الطبي للاضطراب الذهاني

شارك الآن إن لم تكن قد فعلت من قبل في إحصائية اللادينيين

Go to the full page to view and submit the form.


Exit mobile version