Site icon Quran Debate

الله الفرضية الفاشلة – الفصل الرابع-ج3


هذا المقال مبني على كتاب العالم الفيزيائي الشهير فيكتور ج. ستينجر: الله الفرضية الفاشلة – كيف يوضح العلم أن الله لا وجود له – ما يلي هو الجزء 3 من الفصل الرابع

البحث عن عالم يتجاوز المادة


الإدراك خارج الحواس

الإدراك خارج الحواس، حيث تتواصل العقول بآلية مجهولة، والتحريك الذهني، أي سلطان العقل على المادة، يعبر عنهما على نطاق واسع وكأنهما حقيقيان، خصوصاً في الخيال العلمي.  لو استطاعت روح مستقلة عن الجسد أن تستخدم التحريك الذهني لتحريك جزيئات في الدماغ، فينبغي أن تقدر على تحريك جزيئات خارجه أيضاً. وهذه الظواهر، لو كانت حقيقية، ينبغي أن يسهل رصدها في تجارب مضبوطة.

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر حاول العلماء التحقق منها. فلم يجد مايكل فاراداي، أعظم تجريبيي عصره، شيئاً، بينما اقتنع ويليام كروكس وأوليفر لودج بأنهما وجدا «قوة نفسية». لكن ضوابطهما كانت رديئة. فقد عملا مع وسطاء بارعين في الخدع التي طوّرها السحرة والمحتالون عبر القرون، وتركا لمفحوصيهما السيطرة على البروتوكول. وهذا الخطأ الجوهري يتكرر اليوم، كما في تجارب مختبر برينستون لأبحاث الشذوذ الهندسي التي يُروَّج لها كثيراً. والعلماء ليسوا أفضل من غيرهم في كشف الخداع البشري، وربما هم أسوأ، لأنهم غير معتادين على أن يكذب عليهم الكون.

وفي الثلاثينيات صاغ عالم النبات ج. ب. راين من جامعة ديوك مصطلح «الإدراك خارج الحواس» وبذل محاولة صادقة للعثور على دليل. لكن ادعاءاته لم تصمد أمام التمحيص، وبعد رفضها مراراً من المجلات المعتمدة أسس مجلته الخاصة حيث يختار محكّمين متعاطفين. ومع ذلك كان رائد علم النفس الموازي (الباراسيكولوجيا)، الذي يقول العاملون فيه بأنهم يعملون على تخوم العلم التقليدي. ولن أُلحّ في مسألة كونه علماً أم لا. فالباراسيكولوجيون ما زالوا يزعمون رؤية هذه الظاهرة في تجارب مضبوطة، ويدعون أن بعض التقارير «محكَّمة»، لكنها محكمة على أيدي مؤمنين مثلهم في مجلات خاصة. ونشر أعمال سيئة التنفيذ، كورقة التشي، لا يخدم غرضاً ويُنزل مصداقية كل ما سواها في المجلة.

وكالخلقيين، يزعم الباراسيكولوجيون أنهم يُرفضون بسبب تمسك جامد بالأفكار القديمة. والرد هو نفسه كما في التصميم الذكي: لماذا يعترض العلماء على دليل مقنع؟ فالقدرات العقلية الخاصة كانت ستفتح آفاق بحث رائعة بتمويل سخي. ويرفض العلماء السائدون الباراسيكولوجيا للسبب ذاته الذي يرفضون به التصميم الذكي: البيانات لا تبرر القبول.

وقد حاول بعضهم إنقاذ النتائج الضعيفة بالتحليل البعدي، أي جمع تجارب كثيرة. وهذا مشكوك فيه بشدة، ولا أعرف اكتشافاً استثنائياً واحداً في العلم كله تحقق بهذه الطريقة. فإذا لم تجد تجارب مستقلة أي شيء كل على حدة، فلن ينتج التلاعب الرياضي بالبيانات المجمعة فجأة اكتشافاً كبيراً.

وبعد مئة وخمسين عاماً، فشل الباراسيكولوجيون في تقديم دليل لفت انتباه جمهور العلماء. ويمكننا أن نستنتج بأمان أن الظاهرة على الأرجح غير موجودة. ففي أي ميدان آخر كان سجل سلبي متصل كهذا سينهي الادعاءات منذ زمن بعيد. وعلى الأقل، لا يمكن لتجارب الظواهر النفسية أن تُظهر أن للبشر قدرات عقلية تتجاوز الحدود الفيزيائية للمادة غير الحية.

الخلود والروح

أعظم ما يجذب كثيراً من المؤمنين في الدين هو الحياة الأبدية. وقد قال القديس بولس إنه إن لم يكن المسيح قد قام، فكرازتنا باطلة وإيماننا باطل. وقد استعرض كورليس لامونت في كتابه الكلاسيكي «وهم الخلود» الموضوع من كل جوانبه، ولاحظ أن طبيعة الخلود الموعود بعيدة عن الوضوح، مع عقائد مختلفة كثيرة عبر العصور. فما الذي ينجو من الموت بالضبط؟ إن الدليل العصبي والطبي يشير بقوة إلى أن ذكرياتنا وعواطفنا وأفكارنا وشخصياتنا ذاتها تكمن في جسيمات الدماغ المادية، أو بدقة أكبر في كيفية تفاعلها. وعندما تموت أدمغتنا، نموت معها. لو كان هناك روح ما فقد مريض الزهايمر الذاكرة لمجرد أن خلاياه العصبية المادية ماتت. ولو كان هناك روح فلماذا تموت لو بقيت دقائق تحت الماء؟ هل الروح تحتاج للاوكسجين وإلا غادرت؟ وإذا كانت تكره الماء لماذا لا تصعد فوق سطح الماء وتنتظرك حتى تخرج ثم تعود؟ أم أن خلايا الدماغ هي التي تموت بغياب الاوكسجين؟ لماذا بضربة قوية على رأسك تفقد الوعي وقد تموت؟ هل الروح تدوخ من الضرب؟

علميا ما يسمى بالروح ليس سوى مجموعة من الوظائف العصبية للدماغ منها الفهم والإدراك وتحليل المعلومات وتخزين الذكريات والتحكم بالاندفاع وتقييم المخاطر ومراعاة العرف الاجتماعي وحل المشاكل.

وقد علّمت الكنيسة الكاثوليكية تاريخياً بقيامة الجسد كاملاً. فقانون الإيمان الرسولي يذكر قيامة الجسد، وقال مجمع ترنت إن «الجسد ذاته» سيُستعاد بلا تشوهات، وقال أوغسطينوس إن أجسادنا، مهما تفككت، ستُجمع من جديد. ويبدو ذلك جواباً عن الاعتراض: فالله يعيد تركيبنا، بالدماغ والجميع. لكننا سنبدو على الأرجح كما كنا في الثامنة عشرة، ولا يمكننا أن نتوقع الدماغ نفسه الذي كان لنا حينها. حاشا لله! أظن أننا نأخذ الدماغ الذي نموت به، فنحتفظ بذكرياتنا. لكن ماذا لو متنا بمرض الزهايمر؟

لا حاجة بنا إلى متابعة هذه التخمينات التي لا يمكن تأكيدها

فالسؤال العلمي هو: هل ثمة دليل على الحياة بعد الموت؟ وكما في الإدراك خارج الحواس، لم يتحقق علمياً أي اتصال بالآخرة رغم ادعاءات كثيرة، ويمكننا بسهولة أن نرى كيف كان يمكن أن يتحقق. افترض أن وسيطاً يقول إن أم عميلته الميتة أخبرته بأن خاتم خطوبة ضائعاً منذ زمن موجود خلف موقد المطبخ، ثم عُثر عليه هناك. سيبدو ذلك معجزة. لكن علينا أولاً أن نستبعد التفسيرات العادية. فربما زار الوسيط المكان قبل ذلك، ورأى الخاتم قرب المغسلة، وأسقطه خلف الموقد، فالمشعوذون معروفون بالغش. ومع ذلك يمكن من حيث المبدأ لتجارب مصممة جيداً أن تثبت الخلود: كل ما على الوسيط هو أن ينقل معلومة لا سبيل له إلى معرفتها بطريقة أخرى، كالتاريخ الدقيق للزلزال المقبل الذي يدمر لوس أنجلوس.

وهذا النوع من الاختبار من أهم الأدلة على بشرية الأديان عموما. فمثلا تكلم مؤلف القرآن عن الكسوف. والكسوف يحدث بحدود أربع مرات كل سنة. فهل استطاع مرة أن يخبرهم بموعد الكسوف القادم؟ خاصة ونحن الآن نستطيع أن نخبركم بمواعيده لمائة سنة قادمة؟ كلا لم يستطع. لم يستطع حتى أن يخبرهم عن حدوثه بنفس الوقت إذا لم يكن ظاهرا في المدينة بينما يشاهد من العراق واليمن. وبالتأكيد تعرفون كلكم أنه أيضا فشل في اخبار الناس عن كيفية حدوثه ولجأ إلى تفسيرات كهنوتية معروفة. وبغض النظر عن التخمينات بنوايا مؤلف القرآن التي يبرر بها العبوديون فشله هذا فإن هناك حقيقة موضوعية لا يستطيع أحد إنكارها: من يجهل شيئا لا يمكنه إخبار الناس به. ومن يجهل موعد الكسوف القادم أو الزلزال القادم لا يمكنه أن يتكلم عنه.

وظاهرة أخرى يُستشهد بها هي تجربة الاقتراب من الموت، حيث يروي من اقتربوا من الموت ونجوا أنهم رأوا نفقاً فيه ضوء وشخصاً يلوّح لهم. وهم لم يكونوا ميتي الدماغ قط، فلم يعودوا من الموت. وقد قدم مؤلف كتاب الله الفرضية الفاشلة نقداً مفصلاً ولم يجد دليلاً على الآخرة، وعمل سوزان بلاكمور جدير بالقراءة كذلك. ويخلص مارك فوكس في تقييم متوازن إلى أنه بعد خمس وعشرين سنة على صك العبارة ما زال غير ثابت أن شيئاً يغادر الجسد فعلاً أثناء هذه التجربة، وأن أي باحث لم يقدم دليلاً بمستوى مقبول.

وبعد أكثر من قرن من الإخفاق في العثور على دليل علمي مقنع على الروح الخالدة غير المادية التي يرغب فيها الناس تقريباً جميعاً، يبدو بعيد الاحتمال جداً أن توجد، أو أن يوجد إله يمنحنا هبة كهذه.

اللاهوتات الحديثة عن الروح

يعرف الكهنوت المعاصر جيداً أن علم الأحياء وعلم الأعصاب قوّضا المعتقدات التقليدية. وتكتب نانسي مورفي أن العلم قدّم كمّاً هائلاً من الأدلة التي توحي بأننا لسنا بحاجة إلى افتراض روح أو عقل لتفسير الحياة والوعي. وهي ترى أن الثنائية الديكارتية لم تعد قابلة للدفاع عنها، وهي محقة. لكنها ترفض التسليم بأن «المادية الاختزالية» هي الخيار الوحيد المتبقي، وتراها متعارضة مع التعاليم المسيحية، وهذا ليس سبباً علمياً. فهي وآخرون يقترحون بدلاً من ذلك «الفيزيائية غير الاختزالية»: الإنسان كائن فيزيائي يؤدي عمله المعقد إلى قدرات «أعلى» كالأخلاق والروحانية.

وأملهم يقوم على الانبثاق، وهي خاصية كشفتها محاكاة الحاسوب، حيث يُظهر النظام ككل سمات تفتقر إليها أجزاؤه، ويُقال إنها تدل على أن الكل أكبر من مجموع أجزائه. ويرى عالم النفس وارن براون أن للنظام العصبي المعرفي وظائف انبثاقية لا تُختزل في قدرات أدنى، وإن أقر بأنه لن يوجد بدونها، ويزعم، بلا دليل، أنه يمارس «تأثيراً سببياً هابطاً» عليها. ويرى أن «الترابط بين الأشخاص» المنبثق يقابل التجربة المسيحية للروح.

لكن إذا سُمّي المنبثق روحاً، فهو لا يزال نتاج عمليات مادية بحتة. ولا شيء خارق يحدث، والله عنصر غير ضروري. فبلل الماء خاصية منبثقة من جزيئات H₂O، لكن ذلك لا يعني وجود شيء غير مادي اسمه البلل. كما أن القدرة على الإرواء من العطش يمتلكها الماء ولا يملكها كل من مكوناته على حدة. تنبع الخصائص الفيزيائية من التفاعلات الموضعية بين الأجزاء وفق قوانين معروفة، وهي الفيزياء القابلة للاختزال نفسها وراء صلابة الصخر وبلل الماء. وسواء أكانت اختزالية أم لا، فالخصائص المنبثقة للدماغ والجسد الفيزيائيين لا تنجو من موتهما. والروح الفيزيائية غير الاختزالية ليست روحاً خالدة غير مادية، بل ليست حتى روحاً فانية غير مادية. ومرة أخرى يبدو أن إلهاً له صفة تقليدية من صفات الإله التوحيدي، إلهاً يهب البشر أرواحاً خالدة غير مادية، غير موجود.


سلسلة الفرضية الفاشلة


Exit mobile version