هذا المقال مبني على كتاب العالم الفيزيائي الشهير فيكتور ج. ستينجر: الله الفرضية الفاشلة – كيف يوضح العلم أن الله لا وجود له
البحث عن عالم يتجاوز المادة
منذ ظهور الإنسان الحديث تقريباً، يبدو أنه ظنّ أنه أكثر من الجسد الذي وُلد وشاخ وتوقف عن التنفس ثم تحلل إلى كومة صغيرة من العظام المتربة. وفي كل الثقافات تقريباً تخيّل الناس أرواحاً خفية تحرّك العالم من حولهم، ومنهم أنفسهم. وكان هذا في طفولة البشرية أمراً معقولاً تماماً. ففي لحظة ما كان الإنسان يتكلم ويمشي، وفي التي تليها صمت وسكن. شيء كان يحرّكه غاب فجأة. ولما كان الموتى يبدون وكأنهم ما زالوا أحياء في الأفكار والأحلام، كان استنتاج روح شبحية تنجو من الموت أمراً يسيراً. وإلى اليوم نسمعهم يقولون عن شخص عزيز مات : لقد رأيته في المنام وأوصاني بكذا…ويصدقون أن تلك روحه الشبحية التي نجت من الفناء عكس جسده
سؤالي هنا: هل يدعم العلم هذا الاستنتاج؟ فإذا كان الله قد وهبنا أرواحاً غير مادية خالدة، فينبغي أن نجد أثراً ما لها.
من القلب إلى الدماغ
كثيراً ما جعل القدماء مركز الكينونة في القلب، وهي فكرة تعيش في لغتنا حين نقول إن فلاناً «طيب القلب». وكان كهنة مصر يتخلصون من الدماغ ويحتفظون بالقلب لحياة الآخرة. ونسب فلاسفة اليونان الأوائل التفكير والشعور إلى روح خالدة قرب القلب. ووضع أفلاطون ثلاث أرواح في البطن والقلب والرأس، وأعاد أرسطو الروح الخالدة إلى القلب.
وتحفظ اللغة ارتباطاً قديماً آخر: الروح بالهواء. فالكلمة العبرية «روح» تعني الريح أو النَّفَس، واليونانية «psychein» تعني التنفس، واللاتينية «anima» و«spiritus» تشيران كلتاهما إلى الهواء والتنفس. وكان يُظن أن الروح تغادر الجسد مع النفَس الأخير. وفي هاواي كان الكهنة المحليون يحاولون إعادة الحياة إلى الميت بالصراخ «ها!». ولم يكن الأطباء الغربيون يفعلون ذلك، فسُمّوا «ها-أولي»، أي بلا نَفَس، ومنها كلمة «هاولي».
ويعامل العهد القديم الروح بوصفها الحياة ذاتها، ينفخها الله في الجسد. وليس في اليهودية التقليدية عقيدة جامدة عن الآخرة. أما المسيحية فجعلت الخلود مبدأها التأسيسي، وهو على الأرجح العقيدة الأكثر مسؤولية عن نجاحها الطويل، ووعد الآخرة وجنات العذارى من الحور العين وأنهار الخمر يفسر كذلك الكثير من قوة الإسلام.
ولم يتفق الجميع في العصور القديمة. فقد علّم الذري اليوناني أبيقور أن الروح مصنوعة من المادة كسائر الأشياء، وخلص الشاعر الروماني لوكريتيوس إلى أن الموت لا شيء بالنسبة إلينا لأن جوهر الروح فانٍ. وأما العالم المسيحي، وقد انقطع عن الفلسفة اليونانية بعد سقوط روما، فلم يكن لديه صبر على هذه الأفكار حين استُعيدت في القرن الثاني عشر، معظمها عبر مصادر إسلامية.
وفي القرن السابع عشر، مع شيوع الآلات، جعل رينيه ديكارت التمييز بين الروح والجسد حاداً قاطعاً. فالحيوانات والبشر آلات مادية معقدة صمّمها الله، بالطبع، لأنه كان يخشى محاكم التفتيش. لكن للبشر عنصراً إضافياً غير مكوَّن من المادة: روح غير مادية تفعل ما يُفترض أن الآلات لا تقدر عليه، ومنه التفكير والوعي والإرادة والشك. وخمّن أن الغدة الصنوبرية هي موضع التفاعل بين الروح والدماغ. أما معاصره توماس هوبز فوافق على أن الجسد آلة، لكنه اعتبر الروح غير المادية وهماً.
ساجع القرآن والدماغ
بدوره لم يفطن ساجع القرآن قط إلى دور الدماغ وغرق في الثقافة المعاصرة فنسب كل الوظائف الدماغية إلى القلب. اعتقد أن مركز الذاكراة يقع في القفص الصدري. وأن الإنسان يخزن المعلومات هناك فقال:
قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
اعتقد ايضا أن مركز تحليل المعلومات يقع في القفص الصدري كما يقع مركز الذكريات السرية في القفص الصدري ايضا وفي عضلة القلب
وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)
كما اعتقد أن تقييم الأمور والحكم عليها يتم عن طريق القفص الصدري ايضا
قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ
كما توهم أن مركز الاحتياجات النفسية يقع ايضا في القفص الصدري
وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80)
كما توهم أن فهم الأمور يتم في القلب
لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا
وظن أن التعقل يتم عن طريق عضلة القلب التي هي في الصدر
أَفَلم يَسِيروا في الأرضِ فتكونَ لهمْ قلوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا..فانَّها لا َتْعمى الابصارُ ولكنْ تَعْمى القلوبُ الَّتي في الصُّدور…سورة الحج اية 46
بروز الدماغ
يروي كارل زيمر في «الروح المصنوعة لحماً» قصة مجموعة رائعة من الرجال عملوا في أكسفورد أثناء الحرب الأهلية الإنجليزية. فبتشريح جثث البشر والحيوانات أثبتوا أن الدماغ هو العضو الرئيسي للتفكير. ومنهم كريستوفر رن، الذي رسم رسوماً تفصيلية للأعضاء بينما صمّم مسرح شيلدونيان، وروبرت بويل، الذي حوّل الكيمياء القديمة إلى كيمياء حديثة، وروبرت هوك، الذي صنع مجاهر كشفت بنية الكائنات الحية. وقد وضع زعيمهم، الطبيب توماس ويليس، أول تشريح تفصيلي للدماغ وتتبع الجهاز العصبي في الجسم. وسمّى الإشارات المنتقلة عبر الأعصاب «أرواحاً». ولن تُعرَّف بأنها كهرباء إلا في القرن الثامن عشر. وصارت «حلقة أكسفورد» لاحقاً الجمعية الملكية، محفزاً للثورة العلمية.
وأسس ويليس علم الأعصاب، الذي أكد كثيراً من أفكاره. فالنبضات الكهربائية تحمل «الأرواح». وللأجزاء المختلفة من الدماغ وظائف مختلفة. ودماغ الإنسان يشبه أدمغة الحيوانات الأخرى، ويختلف في الأجزاء التي تمنحنا إدراكاً أعلى. والاضطرابات النفسية تنشأ في الدماغ وتُعالج بالمواد الكيميائية بشكل روتيني، ويمكن لمواد كيميائية مثل «إل إس دي» أن تغيّر الحالات العقلية وتثير حتى «تجارب روحية». ويُتلف مرض ألزهايمر الذاكرة والسلوك. وكل ذلك يظهر بقوة بأن أفكارنا وذكرياتنا وتجاربنا الذاتية تقوم بالكامل على عمليات فيزيائية في الدماغ.
علم الدماغ اليوم
لم نعد بحاجة إلى استخراج الدماغ من جسد ميت لدراسته. فالتصوير بالرنين المغناطيسي، الذي حُذفت منه كلمة «النووي» كي لا يفزع المرضى، يكشف الطاقة الضعيفة بترددات الراديو المنبعثة من أنوية الذرات الدوّارة، وهي أقل ضرراً بكثير من الأشعة السينية. ويستخدم الرنين المغناطيسي الوظيفي الخصائص المغناطيسية للدم لإظهار أنماط تدفقه، ويستطيع تحديد مناطق نشطة تفصل بينها أقل من مليمتر. وتتيح التقنيات الأخرى، كالتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني والتصوير المقطعي بإصدار فوتون واحد وتخطيط كهربية الدماغ، رؤى إضافية. وكلها تؤكد أن التفكير يصاحبه نشاط فيزيائي موضعي في الدماغ.
وباستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي، وجد علماء في الولايات المتحدة والبرازيل أن المنطقة النشطة أثناء الأحكام الأخلاقية تختلف عن المنطقة النشطة في الأحكام الاجتماعية المشحونة عاطفياً بالقدر نفسه. وعرض باحثو برينستون على أشخاص معضلات أخلاقية، بعضها يتطلب أفعالاً غير شخصية وبعضها أفعالاً شخصية مباشرة، وأظهرت الفحوص باستمرار نشاطاً أكبر في المناطق المرتبطة بالعاطفة في الحالة الشخصية. والمسألة ليست أن الدماغ يشارك في التفكير فحسب. بل يبدو مسؤولاً عن أعمق الأفكار، التي يُفترض أنها من اختصاص الروح.
وزعم مايكل بيرسينغر أنه أحدث تجارب «دينية» بالتحفيز المغناطيسي. ويذكر أولاف بلانكه وزملاؤه أنهم أنتجوا تجارب الخروج من الجسد بالتحفيز الكهربائي لمنطقة محددة من الدماغ. وقد نوقشت هذه التجارب منهجيا وخلصت النتائج إلى عدم وجود أي دليل على أي شيء خارج العمليات الفيزيائية للدماغ.
أكد البابا يوحنا بولس الثاني عام 1986 أن الكنيسة تجيز دراسة التطور بالنسبة إلى الجسد، لكنه شدد على أن النظريات التي ترى الروح نابعة من المادة الحية أو مجرد «ظاهرة مصاحبة» لها لا تتفق مع حقيقة الإنسان. غير أن كمّاً هائلاً من البيانات يثبت اليوم أن العقل هو ذلك تماماً, وظيفة دماغية خالصة تتعطل بتعطل خلايا الدماغ المسؤولة. فالمادة تمتلك كل ما نُسب تقليدياً إلى الروح، ولا حاجة إلى عنصر روحي. وهذا الاستنتاج، أننا أجساد وأدمغة مصنوعة من الذرات لا غير، قد يكون جديداً ومقلقاً للعامة وللكهنوت أكثر من أن يُقبل قريباً. لكن إن كانت لنا روح غير مادية، أو مادية ذات خصائص خاصة، فينبغي أن نتوقع العثور على دليل عليها. لماذا مثلا عندما تتلف خلايا دماغية في منطقية معينة يفقد الإنسان الذاكرة؟ لماذا نسيت روحه ذكرياته بمجرد موت خلايا مادية؟ وهل عندما يموت مريض الزهايمر تستعيد روجه الشبحية الباقية هذه الذكريات ام تظل روجه تعاني من الزهايمر في عالمها الشبحي ؟ هذا السؤال البسيط بحد ذاته يكشف الحقيقة المرة للكهنوت
منذ مئة وخمسين عاماً ظهرت مئات التقارير عن قدرات عقلية خاصة في «ظروف مضبوطة». ولم يستوفِ أيٌّ منها الشروط الخمسة التي ذكرناها في الفصل الأول. فهل هذه الشروط مفرطة؟ بإمكاننا أن نسرد عشرات الاكتشافات الاستثنائية في الفترة نفسها استوفت هذه الشروط بعينها، فلا يمكن إرجاع ذلك إلى تحيز جامد ضد الأفكار الجديدة.
قوة الحياة
اعتقدت ثقافات كثيرة أن الكائنات الحية تحوز مكوناً خاصاً، «زخماً حيوياً»، يميزها عن الصخور والجثث. ونسمع اليوم عن «تشي» بوصفها طاقة خاصة تجري في الجسد، وفي الأديان الغربية كثيراً ما تُطابق قوة الحياة بالروح. فإن كانت موجودة، فينبغي أن نتمكن من رصدها.
ويقوم جزء كبير من الطب البديل على هذا الافتراض، ويسميها أحياناً «المجال الطاقي الحيوي». لكن علم الأحياء لم يجد شيئاً كهذا في البشر ولا الحيوان ولا النبات. فالعمليات الفيزيائية والكيميائية العادية، نفسها في المادة الحية والميتة، تكفي لتفسير تفاعل أجزاء الكائنات. وفيزياء الخلايا وكيمياؤها هي في جوهرها فيزياء الصخور وكيمياؤها، لكنها أعقد قليلاً. وأفضل كواشفنا لا ترصد سوى إشارات كهرومغناطيسية ضعيفة من القلب والدماغ والأشعة تحت الحمراء الحرارية التي تصدرها كل الأجسام، ميتة أو حية أو جماد. والكائنات الحية لا تصدر إشعاعاً فريداً.
ويمكن الادعاء بأن الأجهزة غير حساسة لـ«الطاقات الحية»، لكن أنصار المجال الطاقي الحيوي يربطونه عادةً بموجات كهرومغناطيسية يسهل رصدها. ولو كان له شأن لأمكن قياس أثر ما. خذ مثلاً «اللمس العلاجي»، حيث «يتلاعب» المعالج بالمجال الطاقي للمريض. وبعد نحو عقد من الاستعمال الشائع كنا سنتوقع دليلاً على فاعليته. ولا يوجد دليل غير الضجيج القصصي الروائي، وحين اختُبر اختباراً سليماً فشل.
التشي
انتشر ادعاء واسع بأن «التشي» قد أُثبت علمياً في الصين. أُجريت التجارب عام 1987 أثناء «محاضرات» علاجية علنية للمعالج الدكتور شين يان في بكين، ولم تُنشر الورقة إلا عام 2002. وقد التقطت أجهزة قياس الإشعاع إشارات تفوق الخلفية نُسبت إلى التشي.
ولا تذكر الورقة أي محاولات للتكرار في السنوات الفاصلة، ولا تقدم تقديرات للخطأ، وهذا وحده سبب للرفض في معظم المجلات المحترمة. ومع ذلك تعطي إحدى التجارب ما يكفي لاستخلاص نتائج. فقد «أطلق» الدكتور يان التشي أثناء محاضرة استمرت إحدى عشرة ساعة، بينما وُضعت في القاعة أجهزة قياس بالتألق الحراري، من النوع المستخدم في المختبرات النووية. ولم تُذكر أي قياسات في ظروف مطابقة دون المعالج.
قام ستيفن فيكتور برسم الجرعات المسجلة مقابل البعد عن المنصة. فلو صحت الأرقام لكانت الشدة ملحوظة، تتجاوز الجرعة السنوية الآمنة المعتادة. لكن هذه الأجهزة مصممة لقياس التعرض التراكمي الطويل بحد كشف نحو عشرة ميليرونتجن، وهي غير ملائمة للتعرضات القصيرة.
ومع أشرطة خطأ بمقدار عشرة ميليرونتجن حول النقاط تصبح النتائج غير ذات دلالة. ويزعم المؤلفون وجود تقارير كثيرة عن فوائد صحية لدى الحضور لكنهم لا يقدمون بيانات، ويقرّون بأن من غير المرجح جداً أن يحتوي مجال التشي على أشعة غاما ونيوترونات حقيقية. ولا يقترحون نموذجاً لكيفية تأثير التشي في هذه الكواشف.
والأدل من ذلك أن بيانات «أشعة غاما» تزداد مع البعد، وأن بيانات النيوترون مع غاما لا تُظهر أثراً ملحوظاً للمسافة. وكل شكل من أشكال الطاقة يجب أن يتناقص مع مربع المسافة. اسألني عن الخاصية المميزة للطاقة وسأقول إنها محفوظة. فحين لا تُحفظ كمية يجب أن تُحفظ، فذلك دليل جيد على أننا لا ننظر إلى طاقة. والتشي لا يشبه الطاقة. بل يبدو غير موجود
نهاية الجزء الأول من الفصل الرابع. إلى اللقاء في الجزء الثاني
