قد من دبر – حل خرافي لحبكة ذهانية

ادعاء حمل رسالة من السماء أمر شائع في الاضطرابات الذهانية ويعرفه كل طبيب أو معالج نفسي أو حتى ممرض نفسي. وهو هذيان يسمى علميا بضلالات العظمة

Grandiosity delusions

ومثله ايضا سماع صوت الله أو صوت الملائكة أو مشاهدة كائنات مجنحة تنزل من الفضاء. وتسمى هذه العلامة بالهلاوس السمعية والبصرية

لكن الذهان لا يقتصر فقط على الضلالات والهلاوس

الذهان اضطراب يصيب كل الوظائف المعرفية والتنفيذية ونظام المشاعر ومعالجة المعلومات في الدماغ

نحن في منشوراتنا فتحنا بابا لم يطرقه أحد من قبلنا. وما عدا قليلين مثل العفيف الأخضر الذي تطرق إلى بعض الجوانب ظل الكثيرون من نقاد الدين بعيدين عن الموضوع ويحاولون فهم محمد في سياقات طبيعية أخرى

لا يمكن فهم محمد ولا القرآن خارج إطار تشخيصه المرضي واضطرابه التفكيري

من أهم مناطق الاضطراب الذهاني إنتاج الكلام. والكلام ليس سوى انعكاس للتفكير الجاري في دماغ المريض

ويمكن أن نجد العلامات الذهانية في محتوى التفكير أو تشكيل الفكرة أو انسياب الأفكار

وكما قال العفيف الأخضر يمكننا أن تعتبر القرآن مرآة صادقة لحالة مؤلفه النفسية لأنه نسبيا لم يتعرض للكثير من التغيير

ويوجد في القرآن أسلوبان غنيان بالعلامات الذهانية وهما التشبيهات والقصص

التشبيه يظهر الخلل الذهاني بسبب ميل المريض الذهاني إلى الانجراف في الصورة الحسية وفقدانه لخيط المجاز

والقصص يظهر الخلل الذهاني بسبب عجز الذهاني عن تأليف قصة تحافظ على الحدود الطبيعية بين الواقع والوهم فيغرق في حبكة ذهانية غير منطقية ويندفع إلى حل خرافي لعقدة القصة

مكونات القصة الاساسية هي الشخصيات وبيئة الأحداث وحبكة القصة والعقدة ثم حل العقدة

ويمكن أن يظهر الخلل الذهاني في أي مرحلة من المراحل الخمس

وفي قصة امرأة العزيز نجد هذا المقطع القرآني

وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30)فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32)

 

 في هذا المقطع السجعي من سورة يوسف من العلامات الذهانية ما يكفي لترم كامل في الطب النفسي

بدأت النساء يسخرن من امرأة العزيز العاشقة. وعليها أن تحل هذه العقدة. وقام مؤلف السجعيات بإيراد حل العقدة في قصته:

امرأة العزيز عرفت أن النسوة لو رأين يوسف وفي ايديهن سكاكين فسيذهلهن جماله ويدفعهن إلى عمل واحد موحد كلهن دفعة واحدة وهو قطع أيديهن بالسكاكين ولن تشذ امرأة واحدة عن هذا

أكثر الأفلام الهندية شطحانا أكثر عقلانية من هذا الهذيان

الحقيقة أنه لن تقوم حتى امرأة واحدة بقطع يديها بسبب جمال شخص ما. يصور الساجع المرأة هنا على أنها كائن مبرمج معدوم الإرادة تحكمه شهوته ولا يمكنه التحكم بمشاعره ولا حتى محاولة كتمها

لن تقوم امرأة واحدة حتى بوخز نفسها بدبوس. وإذا حدث وقطعت يدها فسيكون هناك رد فعلي عصبي فوري لابعاد اليد بسبب الألم يتحكم به الجزء اللاإرادي من الجهاز العصبي

ما رواه الساجع لا يعدو حلا خرافيا لحبكة ذهانية لا يمكن أن يحدث في الواقع و لم يحدث ولن يحدث. مما يجعل مصداقية قصة يوسف برمتها منهارة. يوسف شخصية قصصية اسطورية لم تحدث في كوكبنا ولا مكان لها سوى مخطوطات الكهنوت الابراهيمي

في الواقع لا يعقل أن يوسف كان محجبا ولم تره النسوة من قبل لتظهر لنا القصة وكأنهن يرينه لأول مرة

وفي الواقع إدراك الجمال نسبي ولا يمكن لكل النساء أن يدركن جمال يوسف بدرجة واحدة

وفي الواقع لا يمكن لامرأة العزيز أن تعرف بالضبط ما سيكون ردة فعل النسوة

كما أنه لن يحدث ابدا أن تقوم النسوة بقطع أيديهن

فكرة أعطائهن سكاكين من أجل أن يقمن بقطع أيديهن حين يظهر يوسف فكرة خرافية اساسها التفكير السحري لدى المريض الذهاني

الحقيقة أن مؤلف القصة رغب بهذا السيناريو. تحول الرغبة إلى أحداث هي الركن الاساسي للتفكير السحري. قد يصاحبها في بعض الأحيان إنتاج مشهد هلوسي

هذا حل خرافي لعقدة القصة. حل لا يمكن أن يحدث في الواقع. ووقع ساجع المقطع في شرك الحل الخرافي بسبب اضطراب بناء القصص لدى الذهانيين

بعد أن قطعن أيديهن قالت لهن أرأيتن لماذا أراوده وأخون زوجي؟ هل عرفتن الآن أن لومكن لي كان خاطئا؟

برر الساجع لامرأة العزيز وقوعها في العشق الممنوع. خلص في حله للعقدة هنا إلى إعطائها العذر للخيانة

واعترفت. رغم إمكانية حدوث اعتراف طوعي هنا إلا أن الذي كان أكثر منطقية ألا تعترف أنها رادوته عن نفسه. لا توجد امرأة في مكان عال ومقام رفيع تريد أن تظهر بمظهر العاهرة التي تفقد السيطرة على نفسها أمام شغال

الموقف ما زال ينتهك الحدود بين الواقع والوهم. لكن هذه النقطة ليست إلا تحصيل حاصل للمشهد الكرتوني أعلاه ولا أهمية لها بجانبه

أما كيف استطاعت بسهولة ارساله للسجن بعد أن تأكد زوجها من برائته وأن قميصه قد من دبر فهذا جزء مبتور لم يوضحه مؤلف القصة

وتميل قصص الذهانيين إلى بتر الأحداث وعدم انسيابيتها بسبب خلل إدراك الزمن وحفظ الفواصل بين الأحداث

وحكاية قد من دبر كان حلا خرافيا لعقدة اثبات براءة يوسف. إذ ولد دماغ محمد هنا مشهدا هلوسيا وكأنه مشهد مطاردة بين توم وجيري. إذا كان هو الذي يريد معاشرتها فسيجري للامساك بها وهي ستجري أمامه وإذا كانت هي من تريد اغتصابه فستجري للامساك به ويجري أمامها

هكذا مشهد لا يحدث في الواقع ايضا وهو انتهاك هذياني للحدود بين الواقع والوهم.

واكتمل الحل الخرافي بوجود شاهد من أهلها معهم. هل يعقل أن تحاول امرأة اغتصاب رجل أمام شهود؟

وقد دفع هذا الحل الخرافي المرقعين إلى افتراض أن الشاهد كان رضيعا لا يعقل. وهذا الافتراض أكثر خرافية من سابقه. فمحاولة الاغتصاب أمام شهود على ذهانيتها إلا أنها ممكنة جدلا أما أن يكون طفلا رضيعا قام بفهم ما يحدث وتكلم فهذا مستحيل

لكن ماذا إن جادل مرقع ما وقال أنه لم يشاهد وإنما اقترح كيفية معرفة من المذنب من طريقة شق القميص؟

إذن لماذا اسماه شاهد؟ هل هو شاهد ما شافش حاجة؟

ولماذا يجب أن يشق القميص؟ هل هي أحداث تمثيلية مفصلة؟

ولماذا لا يكون قد القميص من دبر دليل على ذنب يوسف؟ لأنه إذا القاها أرضا وتمدد فوقها أو دفعها للجدار أو حصرها في ركن والتصق بها فقد تسحب قميصه من جهة الخلف وتقده ولن يكون بمقدروها شقه من الأمام في هذه المواقف؟ جهة قد القميص حل خرافي ايضا ولا تعني شيئا إلا إذا كان الموقف تمثيليا كما يريد المخرج ولا صلة له بالواقع 

 يمثل القصص القرآني وعاء ممتلئا بالعلامات الذهانية وكل ما يجب فعله هو عدم حرمان أنفسنا من حق التفكير والتساؤل والتحقق والبحث

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: